في مسألة تحكيم العقل في أمور الاعتقاد:
(( إنك لا تطمع أن تزن به أمور التوحيد ، و الآخرة ، و حقيقة النبوة ، وحقائق الصفات الإلهية ، و كل ما وراءه طوره ، فإن ذلك طمع في محال ، و مثال ذلك: مثال رجل رأى الميزان الذي يوزن به الذهب ، فطمع أن يزن به الجبال ، وهذا لا يدل على أن الميزان في أحكامه غير صادق ؛ لكن العقل قد يقف عنده ، ولا يتعدى طوره ، حتى يكون له أن يحيط بالله وبصفاته ، فإن ذرَّة من ذرات الوجود الحاصل منه ) ) [1] .
... و مما يدل على أن السلف الصالح رضوان الله عليهم أجمعين ، لم يعطلوا العقل و لم يلغوا دوره ما عُرف عنهم من الاعتداد بالقياس ، ولا يقوم قياس سديد بلا عقل رشيد .
... و قد قرر الأئمة الأعلام أن الذي يُعتد به في باب العقائد هو قياس الأولى ، وهو الذي يكون الفرع فيه أولى بالحكم من الأصل ؛ لقوة العلة فيه [2] ، ويستدل بهذا النوع من القياس للإثبات والنفي في حق الله تعالى .
و في القرآن الكريم استدلالٌ بهذا النوع من القياس على إثبات صفات الكمال للرب سبحانه ، قال تعالى: { و هو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده و هو أهون عليه و له المثل الأعلى في السماوات والأرض و هو العزيز الحكيم } [ الروم: 27 ] .
و قال الله تعالى: { و لله المثل الأعلى } [ النحل:60 ] ، أي: الأكمل والأحسن والأطيب [3] .
(1) ... مقدمة ابن خلدون ، ص: 364 ، 365 .
(2) ... انظر: الوجيز في أصول الفقه ، للدكتور وهبة الزحيلي ، ص: 83 .
(3) ... انظر: تفسير الطبري 8 / 14 ، 125 .