وقد دل على حجية الإجماع الكتاب و السنة ، قال تعالى: { ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرًا } ] النساء: 115 [ .
و في الحديث المشهور يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (( لا تجتمع أمتي على ضلالة ) ) [1] .
(1) ... حديث صحيح:
رواه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - عدد من الصحابة منهم: عبد الله بن عمر ، و أبو مالك الأشعري ، و أبي ذر الغفاري ، و أبو بصرة الغفاري ، وأنس بن مالك ، وعائشة - رضي الله عنهم - ، و الحسن البصري مرسل ؛ بألفاظ متقاربة ، و أسانيد لا تخلو من مقال ، يقوي بعضها بعضًا ، و عن أبي مسعود الأنصاري البدري موقوف صحيح ، نذكر منها:
1-حديث عبد الله بن عمر - رضي الله عنه -: و لفظه: (( إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة ) )، و في لفظ (( لا يجمع الله أمتي - أو هذه الأمة - على ضلالة أبدًا ، و يد الله على الجماعة ، و من شذ شذ في النار ) ).
أخرجه الترمذي ( 2255 ) في الفتن ، باب: ما جاء في لزوم الجماعة ، و ابن أبي عاصم في"السنة"
(80) ، و الطبراني في"الأوسط" ( 7249 ) ، و الحاكم في"المستدرك"1 / 115 - 116 و 507 ، و أبو نعيم في"الحلية"3 / 37 ، و اللالكائي"في شرح أصول الاعتقاد" ( 154 ) ، و الخطيب في"الفقيه و المتفقه"1 / 161 ، و البيهقي في"الأسماء و الصفات" ( 701 ) ، و أبو عمرو الداني في"السنن الواردة في الفتن" ( 368 ) ، من طريق المعتمر بن سليمان ، عن سليمان المدني عن عمرو بن دينار ، عن ابن عمر - رضي الله عنه - به مرفوعًا .
و قد اختلف في إسناده على المعتمر بن سليمان على أوجه أوصلها الحاكم إلى سبعة أوجه ، و أرجعها الألباني في"ظلال الجنة"1 / 40 إلى أربعة .
و وجه آخر لم يذكره الحاكم: أخرجه الطبراني في"الكبير" ( 13623 ) عن المعتمر بن سليمان ، عن مرزوق مولى طلحة ، عن عمرو بن دينار به .
قال الترمذي: ( هذا حديث غريب من هذا الوجه ، و سليمان المدني هو عندي سليمان بن سفيان ) .
و قال الترمذي في"العلل الكبير"2 / 817: ( سألت محمدًا - يعني البخاري - عن هذا الحديث ، فقال: سليمان المدني هذا منكر الحديث ، و هو عندي سليمان بن سفيان ) .
و قال البيهقي: ( أبو سفيان المديني ، يقال: إنه سليمان بن سفيان ، و اختلف في كنيته ، و ليس بمعروف ، و روي من وجه آخر ) .
و قال ابن كثير في"تحفة الطالب"1 / 146: ( في إسناده سليمان بن سفيان ، و قد ضعفه الأكثرون ) .
و قال ابن حجر في"تلخيص الحبير"3 / 162: ( فيه سليمان بن سفيان المدني و هو ضعيف ، و أخرج الحاكم له شواهد ) .
... قال الهيثمي في"المجمع": ( رواه الطبراني بإسنادين رجال أحدهما ثقات رجال الصحيح خلا مرزوق مولى طلحة و هو ثقة ) .
2-حديث أبي مالك كعب بن عاصم الأشعري - رضي الله عنه -: و لفظه: (( إن الله أجاركم من خلال ثلاث: ...و ألا تجتمعوا على ضلالة ) ).
و له عنه طريقان:
الطريق الأول: أخرجها أبو داود ( 4253 ) ،في الفتن , باب: ذكر الفتن و دلائلها ، و ابن أبي عاصم في"السنة" ( 92 ) ، عن محمد بن عوف الطائي ، حدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش ، عن أبيه ، عن ضمضم بن زرعة ، عن شريح بن عبيد ، عنه به .
و رجاله ثقات سوى محمد بن إسماعيل ، قال ابن حجر في"التقريب" ( 5735 ) : ( عابوا عليه أنه حدث عن أبيه بغير سماع ) .
قلت: لكن ذكر محمد بن عوف الطائي أنه قرأه في أصل إسماعيل كما في رواية أبي داود .
و قال ابن كثير في"تحفة الطالب"1 / 146: ( في إسناد هذا الحديث نظر ) .
و قال ابن حجر في"تلخيص الحبير"3 / 162: ( في إسناده انقطاع ) .
قلت: يشير إلى الانقطاع بين شريح ، و أبي مالك ، قال أبو حاتم الرازي: ( شريح بن عبيد ، عن أبي مالك الأشعري مرسل ) . انظر: المراسيل لابنه ص 78 .
الطريق الثاني: أخرجها ابن أبي عاصم في"السنة" ( 91 ) من طريق يزيد بن هارون ، أخبرنا سعيد بن زربي عن الحسن ، عنه .
و فيه سعيد بن زربي: منكر الحديث ، كما في"التقريب" ( 2304 ) .
3-حديث أبي ذر الغفاري - رضي الله عنه -: و لفظه: (( اثنان خير من واحد ، و ثلاثة خير من اثنين ، و أربعة خير من ثلاثة ، فعليكم بالجماعة ، فإن الله عز و جل لم يجمع أمتي إلا على هدى ) ).
أخرجه أحمد 5 / 145 من طريق البختري بن عبيد بن سلمان ، عن أبيه ، عن أبي ذر به .
قال الهيثمي في"المجمع"1 / 177 و 5 / 218: ( رواه أحمد ، و فيه البختري بن عبيد ، وهو ضعيف ) .
قال المناوي في"فيض القدير"1 / 150: ( رمز السيوطي لصحته ، و ليس كما زعم ، فقد أعله الحافظ الهيثمي بأن أبا البختري ضعيف ) .
4-حديث أبي بصرة الغفاري - رضي الله عنه -: و لفظه: (( سألت ربي أربعًا ، فأعطاني ثلاثًا و منعني واحدة ؛ سألته ألا يجمع أمتي على ضلالة فأعطانيها ... ) ).
أخرجه أحمد 6 / 396 ، و الطبراني في"الكبير"2 / 280 ( 2171 ) ، و ابن عبد البر في"جامع بيان العلم" ( 1390 ) ، من طريق الليث بن سعد ، عن أبي هانئ الخولاني ، عن رجل قد سماه ، عنه .
قال الهيثمي في"المجمع"1 / 177 و 7 / 222: ( فيه راوٍ لم يُسم ) .
تنبيه: و قع في مسند أحمد ( أبو وهب ) بدل ( أبو هانئ ) فلعله تصحيف !
5-حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه -:و لفظه (( إن أمتي لن تجتمع على ضلالة ) ).
له عنه طريقان:
... الطريق الأول: أخرجه ابن ماجه (3950 ) ،في الفتن , باب: السواد الأعظم , و عبد بن حميد في"مسنده" ( 1220 ) ، و إسحاق بن راهويه كما في"إتحاف المهرة"1 / 399 ، و ابن أبي عاصم في"السنة" ( 84 ) ، و الالكائي في"شرح أصول الاعتقاد" ( 153 ) ، و الخطيب في"الفقيه و المتفقه"1 / 161 ، من طريق معان بن رفاعة السلامي ، عن أبي خلف الأعمى ، عن أنس - رضي الله عنه - به .
قال ابن كثير في"تحفة الطالب"1 / 149: ( هذا الحديث بهذا الإسناد ضعيف ؛ لأن معان بن رفاعة ضعفه يحيى بن معين ، و قال السعدي و أبو حاتم الرازي: ليس بحجة .. و أبو خلف الأعمى: قال يحيى بن معين كذاب ، كذا حكاه ابن الجوزي ، و قال أبو حاتم منكر الحديث ليس بالقوي .. ) .
قال ابن حجر - كما في"فيض القدير"2 / 245 -: ( غريب ضعيف ، لكن له شاهد عند الحاكم من حديث ابن عباس ) . قلت: و هو الآتي .
قال البوصيري في"مصباح الزجاجة"4 / 169: ( هذا إسناد ضعيف ؛ لضعف أبي خلف الأعمى ، و اسمه حازم بن عطاء ) .
الطريق الثاني: أخرجه ابن أبي عاصم في"السنة" ( 83 ) ، و الضياء في"الأحاديث المختارة"7 / 129
( 2559 ) ، من طريق مصعب بن إبراهيم القيسي ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن أنس - رضي الله عنه - به .
فيه مصعب بن إبراهيم القيسي ، قال فيه العقيلي: ( في حديثه نظر ) . و قال ابن عدي: ( منكر الحديث ) .
انظر ميزان الاعتدال 4 / 118 .
و قال الضياء المقدسي: ( إسناده صحيح ) ! .
6 -حديث ابن عباس - رضي الله عنه -: و لفظه (( لا يجمع الله أمتي على ضلالة أبدًا ، و يد الله مع الجماعة ) ).
من طريق إبراهيم بن ميمون العدني ، أخبرني عبد الله بن طاوس ، أنه سمع أباه يحدث ، أنه سمع ابن عباس - رضي الله عنه - - فذكره .
أخرجه الترمذي ( 2166 ) مختصرًا ، و حسنه ، و الحاكم في"المستدرك"1 / 116 ، و صححه ، و البيهقي في"الأسماء و الصفات" ( 702 ) ، و اللفظ لهما ، و القضاعي في"مسندالشهاب" ( 239 ) .
قلت: هذا إسناد صحيح ، رجاله كلهم ثقات .
قال الحاكم: ( إبراهيم بن ميمون قد عدله عبد الرزاق ، و أثنى عليه ، و عبد الرزاق إمام أهل اليمن فتعديله حجة ) .
و قال ابن حجر - كما في"فيض القدير"2 / 245 -: ( رجاله رجال الصحيح إلا إبراهيم بن ميمون ) .
7 -حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -:
أخرجه الحارث بن أبي أسامة في"مسنده" ( بغية الباحث رقم 54 ) ، و الخطيب في"الفقيه و المتفقه"1 / 162 ، و أبو عمرو الداني في"السنن الواردة في الفتن" ( 367 ) ، من طريق يحيى بن عبيد الله ، عن أبيه ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - به .
و يحيى بن عبيد الله ، هو: ابن موهب المدني ، متروك ، كما في"التقريب" ( 7599 ) .
8-حديث أبي مسعود البدري - رضي الله عنه -:موقوف ، و لفظه: (( اصبروا حتى يستريح بر ، أو يستراح من فاجر و عليكم بالجماعة فإن الله ـ تبارك و تعالى ـ لم يكن ليجمع أمة محمد على ضلالة ) ).
... و له عنه ثلاث طرق:
الطريق الأول: أخرجه ابن أبي شيبة في"المصنف"7 / 517 ( 37615 ) ، و إسحاق بن راهويه في
"مسنده"- كما في"المطالب العالية" ( 3039 ) - و يعقوب الفسوي في"المعرفة"3 / 244 و 245 و الطبراني في"الكبير"17 / 239 ( 665 و 666 و 667 ) , و ابن أبي عاصم في"السنة" ( 85 ) ، و اللالكائي في"شرح أصول السنة" ( 162 ) ، و الخطيب في"الموضح"1 / 391 - 392 ، و البيهقي في"الشعب"6 / 67 ( 7517 ) من طرقٍ ، عن يسير بن عمرو ، عن أبي مسعود البدري - رضي الله عنه - موقوفًا من قوله.
قال الهيثمي في"المجمع"5 / 219: ( رجاله ثقات ) .
قلت: يسير بن عمرو ، أدرك زمان النبي ، و له رؤية ، روى له البخاري و مسلم .
انظر: تهذيب الكمال 32 / 302 - 305 .
و قال ابن حجر في"التلخيص"3 / 162: ( إسناده صحيح ، و مثله لا يقال من قبل الرأي ) .
الطريق الثاني: أخرجه الحاكم في"المستدرك"4 / 506 من طريق واصل بن عبد الأعلى ، حدثنا محمد بن فضيل ، حدثنا أبو مالك الأشجعي ، عن أبي الشعثاء ، عن أبي مسعود - رضي الله عنه - به .
قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم و لم يخرجاه .
الطريق الثالث: أخرجه ابن أبي شيبة في"مصنفه"7 / 517 ( 37615 ) عن يزيد بن هارون ، عن التيمي عن نعيم بن أبي هند ، عن أبي مسعود البدري - رضي الله عنه - به .
قلت: هذا إسناد صحيح أيضًا موقوف ، رجاله ثقات على شرط مسلم .و التيمي ، هو: سليمان بن طرخان.
· ... و الحديث: قال فيه ابن حجر في"تلخيص الحبير"3 / 162: ( حديث مشهور ، له طرق كثيرة ، لا يخلو واحد منها من مقال ) فذكر بعض طرقه ، ثم قال: ( و يمكن الاستدلال له بحديث:معاوية مرفوعًا:"لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله ، لا يضرهم من خذلهم و لا من خالفهم ، حتى يأتي أمر الله"أخرجه الشيخان .. و وجه الاستدلال منه: أن بوجود هذه الطائفة القائمة بالحق إلى يوم القيامة لا يحصل الاجتماع على الضلالة ) .
قلت: و حديث معاوية - رضي الله عنه - الذي ذكره ، و شواهده ، سبق تخريجه في هذه الرسالة .
و قال ابن حزم في"الإحكام"4 / 527: ( هذا و إن لم يصح لفظه ، و لا سنده ، فمعناه صحيح ، بالخبرين المذكورين آنفًا ) . قلت: يريد حديث معاوية , و ثوبان .
و قال السخاوي في"المقاصد الحسنة"رقم 1288 - بعد أن ذكر طرفًا من شواهده و طرقه -: ( و بالجملة فهو حديث مشهور المتن ، ذو أسانيد كثيرة ، و شواهد متعددة في المرفوع و غيره ) .
و حسنه السيوطي في"الجامع الصغير"2 / 271 .