... قال الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسيره: (( أمَّا المنهاج فهو الطريق الواضح السهل ) ) [1] .
... و عليه فإن المقصود بالمنهج العَقَديّ لأهل السنة و الجماعة ، هو طريقهم في تقرير مسائل الاعتقاد ، و إقامة الأدلة عليها مع ما يتفرَّع عن ذلك من مسائل ذات صلة ، كحكم العقل و نحوه ، و هو ما سأتناوله بتوفيق الله تعالى من خلال المقاصد التالية:
المقصد الأول ( مصادر أهل السنة أصحاب الحديث في تلقي وتقرير مسائل العقيدة (
ثمة مصادر عدة تستمد منها العقائد ، كالفطرة ، و العقل ، و الوحي ، والكشف ، و غيرها مما تعتمده بعض الفرق ، و ترده أخرى .
و من هذه المصادر ما هو حجة ، و منها ما لا حجة فيه أصلًا ، لذلك لم يأخذ أهل السنة و الجماعة إلاَّ بما تأكَّدت حجيته ، و استبانت دلالته ، كالكتاب والسنة الصحيحة ، و الإجماع المنضبط الوارد بشروطه ، مع الاستئناس أحيانًا بدلالة العقل ، لا في تقرير عقيدة لم يثبتها النقل ، و لكن في التأكيد على ما ثبت بالنقل الصحيح .
و في هذا المجال نجد أهل السنة و الجماعة يلتزمون أمورًا توضح منهجهم ، و تبين سبيلهم في تلقي العقائد و تقريرها ، و أبرز هذه الأمور:
أولًا: الرد إلى المصادر الثلاثة المتفق عليها ، و هي الكتاب و السنة والإجماع المنضبط ، و تقديمها على ما سواها .
و ما ذلك إلاَّ لأن الوحيين - الكتاب و السنة - قد جمعا الخير كله ، واستوفيا كل ما يحتاجه من حقق الإيمان بهما من سبل الهدى والصلاح ، كما قال تعالى: { ونزلنا عليك الكتاب تبيانًا لكل شيءٍ و هدى ورحمة وبشرى للمسلمين } [ النحل: 89 ] .
و في الحديث: (( تركتكم على مثل البيضاء ليلها ونهارها سواء ) ) [2] .
(1) ... تفسير ابن كثير: 2 / 66 ، و قد ذكر الشوكاني نحوًا من هذا المعنى ، و عزاه إلى ابن المبرِّد .
انظر: فتح القدير: 2 / 48 .
(2) ... صحيح:
أخرجه أبو داود ( 4607 ) في السنة ، باب مجانبة أهل الأهواء و بغضهم ، و الترمذي ( 2676 ) في العلم ، باب: ما جاء في الأخذ بالسنة و اجتناب البدع ، و ابن ماجة ( 43 - 44 ) في مقدمة سننه ، باب اتباع سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، و أحمد 4 / 126 - 127 ، و الدارمي في"سننه"1 / 44 - 45 ، و ابن حبان في"صحيحه"1 / 178 ( 5 ) ، و الحاكم في"المستدرك"1 / 95 - 96 ، و ابن أبي عاصم في"السنة" ( 27 ، 31 - 34 ، 48 ، 54 ، 56 ، 57 ) عن عبد الرحمن بن عمرو الأنصاري السلمي ، أنه سمع عرباض بن سارية - رضي الله عنه - يقول - فذكره مرفوعا .
و بعضهم يقرن بينه و بين حجر الكلاعي ، عن العرباض بن سارية - رضي الله عنه - .
و قال الترمذي: ( حسن صحيح ) .
و قال الحاكم: ( صحيح ، ليس له علة ) . و هو كما قال .