وإضافة لافتقار إعلان الخلافة لشرط الشورى ورضى أهل الحل والعقد في الأمة، فإن سلطان الدولة الإسلامية الحقيقي الذي يمكن أن يتبادل فيه المسلمون الحقوق والواجبات مع الإمام لا يتجاوز النطاق الجغرافي الذي يسيطرون عليه من العراق والشام، أما بقية الأقطار فليس لهم فيها كيان دولة حقيقي، وإنما هم جماعات وأفراد مُقاتِلون يعملون ضمن دفع العدو الصائل، وكَوْنهم بهذا الشكل يتنافى مع مضمون الخلافة العظمى التي تَجمع المسلمين ويكون فيها الإمام جُنَّة لمن خلفه ولا يحل لمسلم إلا أن يبايعها، وعلى كل ما سبق فإنا لا نرى صحة انعقاد هذه الخلافة ولا ما رتبوه على ذلك، فلا نُأثِّم من لا يبايعها، ولا نرى أن هذا الإعلان يُبطِل شرعية الجماعات الإسلامية العاملة في الساحة.
رابعًا: إن مسألة إعلان الخلافة مع تسليمهم بأنها مسألة اجتهادية، إلا أن سياسة إخواننا في الدولة الإسلامية شقَّت بها صفوف المجاهدين وفرَّقت شملهم في هذه المرحلة الحساسة من تاريخ الأمة المجاهدة، وهذا من المُحرَّمات القطعية في دين الله كما دلَّت عليه عموم الأدلة في كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - الداعية إلى نَبْذِ الاختلاف وكل ما يؤدي إليه، والاجتهاد الظني المُحتمل بإعلان الخلافة لا ينقض القطعي اليقيني الذي تقرر بوجوب نَبْذِ الفرقة والشقاق والتشرذم وما ينبني عليها من الفتنة وسفك الدم، يقول الله -عز وجل- {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}
ومن المعلوم من الدين بالضرورة أن الوفاء بالوعود و إمضاء العهود من أَوْكد الواجبات الشرعية على المسلمين، وأن نَكْثَها من الكبائر والموبقات، قال الله -تعالى-: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا} ، وقال -تعالى-: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ * لَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ}
ومن أَجَلِّ العقود وأَوْثقها البيعات والعهود على الطاعات الجاري العمل بها في مواثيق الجماعات الجهادية، قال -عليه الصلاة والسلام-: (لكل غادر لواء يوم القيامة يُعرف به) متفقٌ عليه
وفي رواية مسلم: (إذا جَمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة، يُرفع لكل غادر لواء فقيل: هذه غدرة فلان بن فلان)