الصفحة 54 من 132

فإن تهدِموا بالغدر داري فإنَّها تراثُ كريمٍ لا يبالي العواقبا

إذا همَّ لم تُردع عزيمةُ همِّه ولم يأتِ ما يأتي من الأمر هائبا

ولم يستشرْ في رأيه غيرَ نفسه ولم يرضَ إلا قائمَ السيفِ صاحبا

إنَّ المخلفين الفرحين بتخلفهم يخسرون من النفوس والأموال في الذل والهوان أضعاف ما يخسرون في الكفاح والجهاد، ويقدِّمون على مذابح الذل أضعاف ما تتطلَّبه منهم الكرامة لو قدَّموا لها الفداء.

وقوم آخرون؛ متثاقلون متباطئون، يرغبون ولا يريدون، يطلبون قتالًا بلا قتلٍ ولا جرحٍ ولا أسرٍ ولا خسارةٍ، فهم واهمون يتمنَّون الأماني، لم يقوَ إيمانهم للتضحية في سبيل الله، قال الله: {وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا * وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا} .

ومن شرِّ الناس؛ المرجفون من يثيرون الشائعات ويبثُّون الأكاذيب، نفوسٌ مريضةٌ، وألسنةٌ كاذبةٌ فاجرةٌ، سفلَة القوم وأنذال الناس، عليهم اللعنة ولهم سوء المثل، قال الله: {لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالمُرْجِفُونَ فِي المَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا * سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا} .

وممن قعد عن القتال من عذرهم الله؛ قال الله: {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى المَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا للهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى المُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} ، قال ابن كثير -رحمه الله-:"فليس على هؤلاء حرجٌ إذا قعدوا ونصحوا في حال قعودهم، ولم يُرجفوا بالناس ولم يثبِّطوهم، وهم محسنون في حالهم هذا". انتهى كلامه رحمه الله.

فيشترط لهؤلاء المعذورين حتى لا يصيبهم الحرج النصيحةُ والإحسانُ؛ ومن ذلك:

أولًا: إخلاص النية وصدقها؛ بأن تكون أنفسهم توَّاقة للجهاد، كهؤلاء الذين وصفهم الله بقوله: {تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ} ، والذي لا يغزو إنْ لم تحدِّثه نفسه بالغزو فإنَّه يُخشى عليه من النفاق.

ثانيًا: الدعاء للمجاهدين؛ وهو من أعظم ما يُعين به المعذورون إخوانَهم الغزاة، فيدعون لهم بالنصر ولعدوهم بالخذلان، عن مصعب بن أبي وقاص أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:"إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها: بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم". رواه النسائي بسندٍ صحيح.

ثالثًا: النفقة في سبيل الله؛ فأصحاب الأعذار غيرِ الفقراء يجب عليهم الجهاد بالمال لتجهيز الغزاة، وإمدادهم بالمال والسلاح والمؤن، ورعاية أسر المجاهدين والشهداء والأسرى، عن زيد بن خالد أنَّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت