بِالحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآَخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ * إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
من ترك النفير هان على الله، فعذَّبه عذابًا أليمًا، واستبدل غيره، وليس على الله بعزيز؛ عن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال:"من لم يغزُ أو يجهِّز غازيًا أو يخلف غازيًا في أهله بخيرٍ أصابه الله بقارعةٍ قبل يوم القيامة". أخرجه أبو داود وهو حديث حسن.
وما أكثر القوارع على الناس، ولكن أكثر الناس لا يشعرون، ومن أعظم القوارع الفتنة في الدين، وكم هم المفتونون في دينهم وهم لا يعلمون؟! يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا، وهم عن الآخرة هم غافلون.
إنَّ القاعدين عن الجهاد تتوالى عليهم القوارع، وتحلُّ بهم الكوارث، وما من أمةٍ تركت الجهاد إلا ضرب الله عليها الذل، فدفعت مُرغمةً صاغرةً لأعدائها أضعاف ما كان يتطلَّبه منها كفاح الأعداء.
ومن يَهُن يسهل الهوانُ عليه ما لجرحٍ بميتٍ إيلامُ
وكما أرهب الله المؤمنين من ترك قتال الكافرين، كذلك رغَّبهم في القتال، وحثَّهم عليه، وحبَّبه إليهم، قال ربنا: {إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ} ، قال الشوكاني -رحمه الله-:"فهؤلاء المجاهدون باعوا أنفسهم من الله بالجنة التي أعدَّها للمؤمنين، أي: بأن يكونوا من جملة أهل الجنة، وممن يسكنها، فقد جادوا بأنفسهم وهي أنفس الأعلاق، والجود بها غاية الجود."
يجودُ بالنَّفس إنْ ضنَّ الجبان بها والجود بالنَّفس أقصى غاية الجودِ
وجاد الله عليهم بالجنة، وهي أعظم ما يطلبه العباد ويتوسَّلون إليه بالأعمال". انتهى كلامه رحمه الله."
وقال ربُّنا عز وجل في الترغيب في قتال الكفار: {فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآَخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} ، وأخرج ابن حبان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول:"موقف ساعةٍ في سبيل الله خيرٌ من قيام ليلة القدر عند الحجر الأسود". حديث صحيح.
وأخرج الحاكم في المستدرك، عن ابن عمر رضي الله عنهما، أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:"ألا أنبئكم بليلة أفضل من ليلة القدر! حارسٌ حرس في أرض خوف لعله ألا يرجع إلى أهله". حديث صحيح.
لقد أدرك المؤمنون المخلصون فضل الجهاد والاستشهاد فنفروا، والعوائق في طريقهم، والأعذار حاضرة لو أرادوا التمسك بها، ولكن باعوا أنفسهم لله يبتغون رضوان الله، ففتح الله لهم القلوب قبل