رزقٌ كريم.
ولعل فريقًا من الناس يتوهمون في الهجرة شتاتًا بعد الألفة وفقرًا وذلًا وشدّة بعد غناء وعزٍّ ورخاء، وما هذا الوهم إلا وحي الشيطان وتخذيل النفس الأمارة بالسوء ووساوس أشرار الجن والإنس، والحق الذي لا مرية فيه هو وعد الله عز وجل، قال الله: (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) فالمهاجرون في سبيل الله المتوكلون على الله الصابرون على أمر الله وقدره وعدهم الله بالسعة في الدنيا فقال: (وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً) .
ووعدهم بالرزق الحسن في الآخرة، فقال: (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ * لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ) .
وبشرى للمهاجرين الفقراء فهم أول ثلةٍ تدخل الجنة يدخلونها بغير حسابٍ ولا عذاب (جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا) ، أخرج الإمام أحمد بسندٍ جيد عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:"هل تدرون أول من يدخل الجنة من خلق الله؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: أول من يدخل الجنة من خلق الله فقراء المهاجرين الذين تسد بهم الثغور وتتقى بهم المكاره وإذا أُمروا سمعوا وأطاعوا وإذا كانت لرجلٍ منهم حاجة إلى السلطان لم تقضى له حتى يموت وهي في صدره وإنّ الله عز وجل يدعو يوم القيامة الجنة فتأتي بزخرفها وزينتها، فيقول: أين عبادي الذين قاتلوا في سبيلي وقتلوا في سبيلي وأوذوا في سبيلي وجاهدوا في سبيلي ادخلوا الجنة، فيدخلونها بغير حساب ولا عذاب، فيقول الله عز وجل لمن يشاء من ملائكته: ائتوهم فحيوهم، فتقول الملائكة: نحن سكان سمائك وخيرتك من خلقك أفتأمرنا أن نأتي هؤلاء فنسلم عليهم؟ فيقول: إنهم كانوا عبادًا يعبدوني لا يشركون بي شيئا وتسد بهم الثغور ويتقى بهم المكاره ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء، قال: فتأتيهم الملائكة عند ذلك فيدخلون عليهم من كل باب سلامٌ عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار".
ومن ترك الهجرة عند وجوبها مع القدرة عليها فموعودٌ بالعذاب الأليم ومأواهم جهنّم وساءت مصيرا، قال الله: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا * إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا) .
إنّ المؤمنين الذين هاجروا في سبيل الله وقاتلوا وقتلوا أولئك الفائزون غفرت سيئاتهم ولهم في الجنة حسن الثواب، قال الله: (فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ) .
والمهاجرون في سبيل الله مؤيدون من الله منصورون قهروا شياطين الإنس والجن وتغلبوا على أثقال الشهوات