السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمد لله يهدي من يشاء إلى صراطٍ مستقيم، والصلاة والسلام على النبي الرسول محمد وعلى أزواجه وذريته، أما بعد:
كثرت الانتماءات وتعددت الرايات واختلفت المناهج والآراء باختلاف الرغبات والأهواء، والصالحون من هذه الأمة مستمسكون بالهدى والبينات مقتفون الأثر سائرون على الصراط المستقيم يلتزمون الشرعة النبوية والسيرة الراشدية المهدية، فلن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، وقد نبّأنا النبي المصطفى المحمد صلى الله وبارك عليه وعلى آله فقال:"من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإنّ كل محدثةٍ بدعة وكل بدعةٍ ضلالة"رواه أحمد بسندٍ صحيح.
والمجاهدون في آخر هذه الأمة مهاجرون وأنصار كما كان أولها، مهاجرون في سبيل الله خرجوا من ديارهم وأموالهم لنصرة كتاب الله وسنة رسول الله وبذلوا أموالهم وأنفسهم لتحكيم شرع الله، وأنصارٌ لدين الله وشرعه آووا المهاجرين في منازلهم وواسوهم في أموالهم ونصروا الله ورسوله بالتضحية والقتال لا يبتغون جزاءً ولا شكورا ولا يتبعون ما أنفقوا منًا ولا أذى، غايتهم رضوان الله وجنةٌ عرضها السماوات والأرض.
إنّ النسبة إلى الهجرة والنصرة باقية إلى أن تطلع الشمس من مغربها، عن معاوية رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول:"لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها"أخرجه أبو داود بسندٍ صحيح.
وباستمرار الهجرة تستمر النصرة، والهجرة والنصرة مع الجهاد في سبيل الله، عن ابن السعدي رضي الله عنه أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:"لا تنقطع الهجرة ما دام العدو يُقاتل"أخرجه أحمد، وهو حديثٌ صحيح.
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: فهذان الاسمان (المهاجرون والأنصار) اسمان شرعيان جاء بهما الكتاب والسنة وسماهما الله بهما كما سمانا المسلمين من قبل، وفي هذا وانتساب الرجل إلى المهاجرين أو الأنصار انتسابٌ حسنٌ محمود عند الله وعند رسوله. انتهى كلامه رحمه الله.
والمهاجرون والأنصار شهد الله لهم بالإيمان ووعدهم وعدًا حسنا، قال مولانا جل وعز: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) تحقق منهم الإيمان حين صدّق القول العمل، فلم يكن إيمانهم محفوظاتٍ تكنها صدورهم ولا كلماتٍ تتردد في المجالس وعلى المنابر بل خالط الإيمان شغاف القلوب فقدموا البراهين العملية على حب الله ورسوله وإيثار دار الخلود على دار الغرور، فوعدهم الله مغفرة تمحو الآثام والخطايا وتطفئ حرارة المعاصي والأوزار ولهم