الصفحة 58 من 73

قال كلمة الحقّ وسكب في سبيلها دمهُ إيثارا لما عند الله. فقد علم أنّ التّرغيب وإن عَظُمَ فلن يكون أعظم من الجنّة وأنّ التّرهيب مهما بلغ فليس أشدّ من النّار.

لقد ضحّى بحياة الإستقرار والرّفاهية ولقد وجد الشّهرة والمال والوجاهة والجاه, فترك كلّ ذلك متحمّلا التّشريد والمطاردة لأنّه اختار طريق العزةّ لأمّته والكرامة لشعوبها المقهورة المظلومة التّي لامَخرج لها إلاّ بالجهاد في سبيل الله.

أثبت الشّيخ للعالَم أنّ المبادئ أغلى من الحياة, فقد اتّخذ مبدءًا وعقيدة صدع بها وتمنّى أن يُقتل عليها ونال ما تمنّى. ولم يكن كأولئك الذّين تتغيّر مبادئهم بتغيّر أرزاقهم أو تغيّ سياسات حكّامهم, ولم يكن كأؤلئك الذّين يمتطون دعوى المصلحة والمفسدة للحفاظ على مصالحهم الشخصيّة.

لقد أحيا الشّيخ سيرة الرّعيل الأوّل الذّي كان عبارة عن رصيد من التّضحيات يزيد كلما زاد عمر صاحبه, تُحَلّى سيرهم بذكر المشاهد التّي شهدوها وتُختم بذكر الواقعة التّي قُتلُوا فيها. ولقد كان جهاده ردّا على الذّين يقولون إنّ المجاهدين ليسوا إلاّ حدثاء أسنان أو جهلة أو أنّهم لم يدفعهم إلى الجهاد إلاّ ضيق الحال أو الحماس أو الفشل في الحياة. فهاهو الشّيخ يجاهد بعد ما بلغ أشُدّهُ وحمل الشّهادات العليا من أشهر الجامعات العالميّة وهو من أسرة ميسورة الحال, أوتِيَ كثيرا من الدّنيا ولكنّه ضحّى بدنياه كاملة نُصرة لدين الله ولم يكن ممن ينصر دين الله بشرط أن لا تتعرّض دنياه للخطر.

إنّ الشيخ أبا عبد الرحمن لم يتعامل مع الجهاد من خلال الكتب فقط, ولم يتعامل مع المجاهدين من خلال المراسلات عن بٌعدٍ فقط, إنّما ترك ملذّات الدّنيا ولحق بالمجاهدين في جزيرة العرب فقاسى ما يقاسون ووجد من المعاناة ما يجدون. قدّم إليهم المشورة والرأي والنصيحة, ولأجل ذا كان له بينهم منزلة عظيمة.

قُتل رحمه الله وهو يدعو إلى تحكيم الشريعة, ولقد كان يسعى بكلّ ما يستطيع إلى اجتماع المسلمين على الشّريعة دون التعصّب لحزب أو أصل أو عرق. كان من أشد السّاعين إلى نبذ التحاكم إلى القوانين الوضعيّة أو الأعراف القبليّة, وكان يطوف في القرى وبين القبائل داعيا أعيانهم ومشائخهم إلى دين الله, فكان فيما نحسب من أهل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت