{وَالْأَنْفُسِ} أي: ذهاب الأحباب من الأولاد , والأقارب , والأصحاب , ومن أنواع الأمراض في بدن العبد , أو بدن من يحبه، {وَالثَّمَرَاتِ} أي: الحبوب , وثمار النخيل , والأشجار كلها , والخضر ببرد , أو برد , أو حرق , أو آفة سماوية , من جراد ونحوه.
فهذه الأمور , لا بد أن تقع , لأن العليم الخبير , أخبر بها , فوقعت كما أخبر، فإذا وقعت انقسم الناس قسمين: جازعين وصابرين، فالجازع , حصلت له المصيبتان , فوات المحبوب , وهو وجود هذه المصيبة، وفوات ما هو أعظم منها , وهو الأجر بامتثال أمر الله بالصبر، ففاز بالخسارة والحرمان , ونقص ما معه من الإيمان، وفاته الصبر والرضا والشكران , وحصل [له] السخط الدال على شدة النقصان.
وأما من وفقه الله للصبر عند وجود هذه المصائب , فحبس نفسه عن التسخط , قولا وفعلا , واحتسب أجرها عند الله , وعلم أن ما يدركه من الأجر بصبره أعظم من المصيبة التي حصلت له , بل المصيبة تكون نعمة في حقه , لأنها صارت طريقا لحصول ما هو خير له وأنفع منها , فقد امتثل أمر الله , وفاز بالثواب، فلهذا قال تعالى: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} أي: بشرهم بأنهم يوفون أجرهم بغير حساب.
فالصابرين , هم الذين فازوا بالبشارة العظيمة , والمنحة الجسيمة، ثم وصفهم بقوله: {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ} وهي كل ما يؤلم القلب أو البدن أو كليهما مما تقدم ذكره.
{قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ} أي: مملوكون لله , مدبرون تحت أمره وتصريفه , فليس لنا من أنفسنا وأموالنا شيء، فإذا ابتلانا بشيء منها , فقد تصرف أرحم الراحمين , بمماليكه وأموالهم , فلا اعتراض عليه، بل من كمال عبودية العبد , علمه , بأن وقوع البلية من المالك الحكيم , الذي أرحم بعبده من نفسه، فيوجب له ذلك , الرضا عن الله , والشكر له على تدبيره , لما هو خير لعبده , وإن لم يشعر بذلك، ومع أننا مملوكون لله , فإنا إليه راجعون يوم المعاد , فمجاز كل عامل بعمله، فإن صبرنا واحتسبنا وجدنا أجرنا موفورا عنده، وإن جزعنا وسخطنا , لم يكن حظنا إلا السخط وفوات الأجر، فكون العبد لله , وراجع إليه , من أقوى أسباب الصبر.