المدينة وفي ظنِّهم أنها فرصتهم للقضاء على الإسلام قضاء باتًّا، كيف لا وقد تحزَّبوا وتحالفوا مع عملاءِ الداخلِ والخارجِ لكنهم فوجئوا بأمرٍ لم يخطر ببالهم ولم يحسبوا حسابا له ذلك الخندق الذي حفره المسلمون في وقتٍ قياسيٍّ وفي ظروفٍ البردِ القاسي فضلا عن قلةِ المؤنِ.
فلم يتمكنوا من اقتحامِ هذا الخندقَ أو فتح ثغرةٍ لدخول المدينةِ الحصينةِ، وواجهوا مقاومةً لم تكن في الحسبان، وبدأ اليأس يدبُّ في قلوبهم والخلافات تنشب بينهم وبدت هشاشةُ تلك التحالفاتِ ثم بدأت بعض القوات في الرحيل مخلفة في الميدان باقي القوات التي لم تصمد طويلا حتى أعلنت انسحابها، وقد فشلت في تحقيق أهدافها، وقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - قولته المشهورة: (الآنَ نغزُوهُمْ ولا يَغْزُونَا) [1] 0
لو تأملنا في حديث القرآن الكريم عن هذه الغزوة الفاصلة وبين واقعنا المعاصر حيث تحالف أعداؤنا يدفعهم اليهودُ دفعا إلى بلاد الإسلام وكان غزو العراق وظنوا أنهم انتصروا حين فتحت لهم أبواب بغداد واستقبلهم العملاء الخونة بالأحضان والورود، ثم ما لبثوا أن وجدوا مقاومةً لم تكن لهم في الحسبان وبدأت السنوات تمر دون أن يحققوا نصرا يذكر بل تزداد أمورهم سوءا وبدأت بعض الدول في الانسحاب دولةً إثرَ أخرى حتى تخلو الساحة بأعظم القوى المناوئةِ لهذا الدين بعد أن يتخلى عنها الجميع لتفرَّ من الميدان بلا رجعةٍ، ولعلَّ المعركةَ القادمةَ تكونُ على أرضها بإذن الله، ليعيد التاريخُ نفسه، فنغزوهم ولا يغزونا.
(1) - ... رواه البخاري في صحيحه كتاب المغازي - باب: غزوة الخندق، وهي الأحزاب. 4/ 1509 حديث 3884، ورواه الإمام أحمد في مسنده عن سليمان بن صرد 4/ 262 وإسناده صحيح على شرط الشيخين ورواه أبو داود الطيالسي في مسنده 1/ 182 حديث 1289 والطبراني في المعجم الكبير 7/ 98 حديث 6485.