فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 57

المبحث الأول: الخيارات التنموية لما بعد الاستقلال

لعله من الصعب جدا أن نقول بأن استقلال الجزائر سنة 1962 قد نقلها مباشرة من حالة الاتنمية إلى حالة التنمية، فقد كانت استعادة السيادة الوطنية شوطا أساسيا للتنمية لأنه يضمن للمجتمع حرية القرار السياسي ووضع برنامج وطني للتنمية الاقتصادية، كمرحلة أساسية لتحسين وضعية البلاد.

المطلب الأول: سيرورة بناء الدولة ورهانات الاقتصاد الجزائري 1962 - 1978

لقد ورث المجتمع الجزائري اقتصادا يشكوا من كل مظاهر ومواصفات الاقتصاديات المتخلفة مثل غياب أسس صناعة حديثة ومتطورة، وقطاع زراعي خاص مرتبط بالمترو بول والشركات الدولية خاصة في مجال النفط حيث كانت تسيطر عليه الشركات الفرنسية.

إن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي ميزت الفترة التي تلت الاستقلال أقل ما يقال عنها أنها مزرية، متدهورة، وغير قارة من خلال ما بلي:

1 -الوضعية الاقتصادية: إن الوضعية الاقتصادية للمجتمع الجزائري يمكن فهمها من الأفكار الرئيسية الآتية والتي وردت في ميثاق الجزائر 1964.

ا- تخلف لم يحل.

ب- ثنائية اقتصادية (في قطاع الزراعة خاصة) .

ج- اقتصاد ضعيف.

د- اقتصاد مسيطر عليه.

ه- تبعية مالية.

هكذا وصفت الوضعية الاقتصادية للمجتمع الجزائري في المواثيق الرسمية والتي بتم التطرق لها بنوع من التفصيل:

ا- تخلف لم يحل (بضم الياء) : المفصود من هذه العبارة أن حالة المجتمع الجزائري كانت تعاني قضية التخلف من قبل، فالتخلف يقصد به التأخر عن ركب التقدم الملموس لدى الشعوب الأخرى التي استطاعت أن تحقق مستويات عالية نسبيا من الرفاهية، فقد صدق بعض المفكرين الاقتصاديين عندما قالوا بأن التخلف ناتج عن السيطرة التي تفرضها الدول المتقدمة على الدول المتخلفة [1] فالمجتمع الجزائري بعد الاستقلال كان في حالة تخلف ولم تتواجد حلول آنية لهذا التخلف في ذلك الوقت.

ب- ثنائية اقتصادية: يقصد بالثنائية الاقتصادية وجود قطاعين، قطاع حديث وقطاع تقليدي في نفس الوقت والمكان، فالزراعة الجزائرية عرفت هذه الظاهرة غداة الاستقلال بوجود قطاع عصري يستعمل الوسائل الحديثة كالجرارات والماكنات والأسمدة، وطرق إنتاج عصرية، ويمتلك أراضي خصبة، وقطاع تقليدي، يستعمل أدوات بسيطة كالمحراث الخشبي والفأس والأسمدة الطبيعية، ويمتلك أراضي ذات خصوبة ضعيفة.

ج- اقتصاد ضعيف: يمكن تقدير ضعف الاقتصاد، غداة الاستقلال، من زاوية حجم الإنتاج في قطاعي الزراعة والصناعة الذي كان ضعيفا لا يلبي حاجيات المجتمع، كما يمكن قياس هذا الضعف من زاوية حجم البطالة والهياكل القاعدية القليلة وغياب صناعة ثقيلة، فاقتصاد الجزائر عام 1962 لم تكن لديه قاعدة متينة يرتكز عليها.

د- اقتصاد مسيطر عليه: وهذا أمر طبيعي لأن الاستقلال لا يعني القطيعة التامة مع المستعمر الذي جعل من اقتصاد الجزائر اقتصادا تابعا، من خلال السيطرة على الإنتاج و ميزان التجارة وكذا القرارات التي لم تكن بيد الجزائريين.

ه- تبعية مالية: هذه التبعية تظهر جليا في كون المجتمع الجزائري بقي يتعامل بالفرنك الفرنسي حتى سنة 1964، بالإضافة إلى النظام المصرفي والمالي الموروث عن المستعمر والذي أنشئ ليخدم المصالح الفرنسية، إضافة إلى هذا الوصف الذي ورد في ميثاق الجزائر 1964 يمكن القول بأن الوضعية الاقتصادية اتسمت بحالة الشغور التام، الذي تولد نتيجة هجرة المعمرين الذين كانوا يديرون المزارع والورشات، حالة الشغور التام أدت إلى ظهور مصطلح تم تداوله مطولا ويسمى بالأملاك الشاغرة"les biens vacants".

2 -الوضعية الاجتماعية: الوضعية الاجتماعية وصفت بالمزرية والخطيرة، البطالة مثلا تفشت بشكل مذهل حيث وصل عدد البطالين إلى مليونين كما بلغ عدد الذين ليست لهم موارد مالية بمليونين وستمائة ألف (2600000) ،كما أن المجتمع الجزائري بعد الاستقلال عرف ظواهر أخرى خطيرة كالأمراض المعدية و

(1) - زوبيري (عبد الله (، محاضرات في العلوم السياسية، مخصصة لطلبة السنة الثانية في نظريات وسياسات التنمية، قسم العلوم السياسية والعلاقات الدولية، جامعة محمد بوضياف بالمسيلة: 2004، ص 1.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت