فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 65

على الاحتمال الأول تنزيل إظهار الشيء الخفي منزلة إحداث الأمر المعدوم بجامع أن كلا منهما إخراج من الكون إلى البروز فيكون استعارة تبعية مبنية على تشبيه إظهار الكتابة على رءوس الأشهاد بإحداثها، ومدار الاحتمال الثاني تسمية الشيء باسم سببه فإن كتابة جريمة المجرم سبب لعقوبته قطعًا.

ومعنى (كلا) في الآية الثانية ردع عن اعتقادهم الباطل وإنكار لوقوع ما علَّقوا به إطماعهم الفارغة من اتخاذ الأصنام آلهة (ليكونوا آلهة عزا) ووصلة إليه سبحانه وشفعاء عنده، فيكون مقابل قوله: (واتخذوا من دون الله آلهة) وفيه تمام المقابلة، أي بعد أن تكلفوا جعلهم آلهة لهم سيكفرون بعبادتهم وهذا هو الأظهر في حمل الآية عليه، والتعبير بالفعل (سيكفرون) وبحرف الردع قبله يرجح هذا الحمل كما يرجحه ما ولي هذه الآيات من قول الله تعالى: (ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا. فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا .. مريم/ 83، 84) ، إذ هي كالتذييل لتلك الآيات والتقرير لمضمونها لأنها تستخلص أحوالهم وتتضمن تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم في إمهالهم وعدم التعجيل بعقابهم.

ولا صحة للقول بتشتيت الضمائر لوضوح عود الضمير في (سيكفرون) على المشركين وعوده في (يكونون) على آلهتهم، خلافا لمن أساغوا عودهما إلى المشركين ليكون المعنى: سيكفر المشركون بعبادة الأصنام ويدخلون في الإسلام ويكونون ضدًا على الأصنام يهدمون هياكلها ويلعنونها بعد أن كانوا يحبونها كحب الله ويعبدونها من دونه [1] .

وما قيل في آية مريم من ردع مقصوده التهديد والوعيد، يقال مثله في قوله من سورة النبأ (كلا سيعلمون .. النبأ/4) فإنه صريح في المراد بالاختلاف في قوله قبل: (عم يتساءلون. عن النبأ العظيم. الذي هم فيه مختلفون .. النبأ 1 - 3) وأنه اختلاف في كيفية الإنكار إذ من هؤلاء المتسائلين من ينكره لإنكار الصانع المختار ومنهم من ينكره بناء على استحالة إعادة المعدوم بعينه.

والقول بجمع (مختلفون) على الاختلاف بالنفي والإثبات بناء على تعميم التساؤل لفريقي المسلمين والكافرين على أن سؤال الأولين ليزدادوا خشية واستعدادًا وسؤال الآخرين ليزدادوا كفرًا وعنادًا .. يرده قوله تعالى: (كلا سيعلمون) ، فإنه بيّن في أن المراد به اختلاف الجاهلين به المنكرين له إذ عليه يدور الردع والوعيد، والقول بتخصيص ضمير (يعلمون) بهم مع عموم الضميرين السابقين للكل مما ينبغي تنزيه التنزيل عن أمثاله، وفي (إرشاد العقل السليم) : أن مما يؤدي"إليه جليل النظر والذي يقتضيه التحقيق ويستدعيه النظر الدقيق أن يحمل اختلافهم على مخالفتهم للنبي عليه الصلاة والسلام بأن يعتبر في الاختلاف محض صدور الفعل عن المتعدد حسبما ذكر في التساؤل، فإن الافتعال والتفاعل صيغتان متآخيتان - كالاستباق والتسابق والانتضال والتناضل إلى"

(1) ينظر المصدران السابقان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت