يقول: لا أعلم. وعن بعضهم: لا أدري نصف العلم. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: إذا أغفل العالم"لا أدري"أصيبت مقاتله. وقيل: ينبغي للعالم أن يورث أصحابه لا أدري لكثرة ما يقولها. قال محمد بن عبد الحكم: سألت الشافعي رضي الله عنه عن المتعة أكان فيها طلاق أو ميراث أو نفقة تجب أو شهادة؟ فقال: والله ما ندري. [1]
وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: أدركت عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يُسأل أحدهم عن المسألة فيردها هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا، حتى ترجع إلى الأول. وفي رواية: ما منهم من يحدّث بحديث إلاَّ ودّ أن أخاه كفاه إياه، ولا يُستفتى عن شيء إلاَّ ودّ أن أخاه كفاه الفتيا. [2]
وقال عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه: إن الذي يفتي الناس في كل ما يستفتونه لمجنون. [3] وقال محمد بن المنكدر: العالم بين الله وبين خلقه، فلينظر كيف يدخل بينهم. [4] وقال سفيان: أدركت الفقهاء وهم يكرهون أن يجيبوا في المسائل والفتيا، حتى لا يجدوا بدا من أن يفتوا. وقال: أعلم الناس بالفتيا أسكتهم عنها، واجهلهم بها أنطقهم فيها. [5]
ونُقل عن سفيان وسحنون: أجسر الناس على الفتيا أقلهم علمًا. وعن الشافعي وقد سئل عن مسألة فلم يجب، فقيل له، فقال: حتى أدري أن الفضل في السكوت أو في الجواب. وعن الأثرم قال: سمعت أحمد بن حنبل يكثر أن يقول: لا أدري. وعن الهيثم بن جميل: شهدت مالكا سُئل عن ثمان وأربعين مسألة، فقال في اثنتين وثلاثين منها: لا أدري. وقد نُقل عن الإمام مالك أيضا أنه ربما كان يُسأل عن خمسين مسألة فلا يجيب في واحدة منها، وكان يقول: من أجاب في مسألة فينبغي قبل الجواب أن يعرض نفسه على الجنة والنار، وكيف خلاصه، ثم يجيب. وسئل عن مسألة، فقال: لا أدري. فقيل: هي مسألة خفيفة سهلة! فغضب وقال: ليس في العلم شيء خفيف. [6]
وقال الشافعي: ما رأيت أحدا جمع الله تعالى فيه من آلة الفتيا ما جمع في ابن عيينة، أسكت منه عن الفتيا. وقال أبو حنيفة: لولا الفَرَق من الله تعالى أن يضيع العلم ما أفتيت، يكون لهم المهنأ وعليّ الوزر. [7] وسئل محمد بن القاسم عن شيء، فقال: إني لا أحسنه. فقال له
(1) بدر الدين محمد بن جماعة، تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم، ص: 49.
(2) الإمام النووي، المجموع شرح المهذب، 1/ 72 - 73؛ ومحمد بن مفلح المقدسي، الآداب الشرعية، 2/ 158.
(3) الآداب الشرعية، 2/ 155.
(4) الآداب الشرعية، 2/ 159.
(5) الآداب الشرعية، 2/ 160.
(6) المجموع شرح المهذب، 1/ 73.
(7) المجموع شرح المهذب، 1/ 73. والفَرَق: الخوف.