الذي ينبغي للعالم أن يكون متهيبًا للإفتاء، لا يتجرأ عليه إلا حيث يكون الحكم جليا في الكتاب أو السنة، أو يكون مجمعا عليه. أما فيما عدا ذلك مما تعارضت فيه الأقوال والوجوه وخفي حكمه، فعليه أن يتثبت ويتريث حتى يتضح له وجه الجواب، فإن لم يتضح له توقف.
أما الإفتاء بغير علم فهو حرام ومن الكبائر، لأنه يتضمن الكذب على الله تعالى ورسوله، ويتضمن إضلال الناس. قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا َلا تَعْلَمُونَ} ] الأعراف: 33 [، فقرن سبحانه وتعالى القول على الله بغير علم بالفواحش والبغي والشرك. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا، ينتزعه من العباد. ولكن يقبض العلم بقبض العلماء. حتى إذا لم يبق عالمًا، اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضّلوا وأضلوا.[1]
من أجل ذلك كثر النقل عن السلف أنهم كانوا إذا سئل أحدهم عما لا يعلم أن يقول للسائل: لا أدري، على ما سنرى. وينبغي للمفتي أن يستعمل ذلك في موضعه ويعوّد نفسه عليه. ثم يجب عليه أن يعلم يقينا أنه إذا فعل المستفتي بناء على الفتوى أمرًا محرّمًا أو أدّى العبادة المفروضة على وجه فاسد، حمل المفتي بغير علم إثمه، إن لم يكن المستفتي قصّر في البحث عمن هو أهل للفتيا، وإلا فالإثم عليهما، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: من أُفتي بغير علم، كان إثمه على من أفتاه. [2] ومن هنا فلا مجال للمستفتي للتعلق بمقولة:"علقّها في رقبة عالم"التي شاعت وراجت بين العامة. فيظن المستفتي أنه قد نجا بسؤاله للمفتي وتحليل الأخير أو تحريمه للمسألة.
ولذلك قال العلامة ابن القيم: من أفتى الناس وليس بأهل للفتوى، فهو آثم عاص، ومن أقره من ولاة الأمور على ذلك فهو آثم أيضا. قال أبو الفرج ابن الجوزي رحمه الله: ويلزم ولي الأمر منعهم كما فعل بنو أمية، وهؤلاء بمنزلة من يدل الركب وليس له علم بالطريق، وبمنزلة الأعمى الذي يرشد الناس إلى القبلة، وبمنزلة من لا معرفة له بالطب وهو يطب الناس، بل هو أسوأ حالا من هؤلاء كلهم! وإذا تعين على ولي الأمر منع من لم يحسن التطبب من مداواة المرضى، فكيف بمن لم يعرف الكتاب والسنة ولم يتفقه في الدين؟!! [3]
قال العلامة ابن جماعة في كتابه العظيم الماتع"تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم": وإذا سئل - أي العالم - عن ما لم يعلمه قال: لا أعلمه، أو لا أدري، فمن العلم أن
(1) متفق عليه. اللؤلؤ والمرجان، 1712.
(2) حسن. صحيح الجامع الصغير وزيادته للألباني: 6068.
(3) ابن قيم الجوزية، إعلام الموقعين عن رب العالمين، 4/ 199 - 200.