السائل: إني جئتك لا أعرف غيرك. فقال له القاسم: لا تنظر إلى طول لحيتي وكثرة الناس حولي، والله ما أحسنه! فقال شيخ من قريش جالس إلى جنبه: يا ابن أخي الزمها! فوالله ما رأيناك في مجلس أنبل منك اليوم!! فقال القاسم: والله لأن يُقطع لساني أحب إليّ من أن أتكلم بما لا علم لي به. [1] وأقوالهم في هذا كثيرة معروفة.
وقد رأى رجل ربيعة بن أبي عبد الرحمن يبكي، فقال: ما يبكيك؟ فقال: اُستفتي من لا علم له، وظهر في الإسلام أمر عظيم. ثم قال: ولبعض من يفتي ههنا أحق بالسجن من السُراق. قال بعض العلماء: فكيف لو رأى ربيعة زماننا، وإقدام من علم عنده على الفتيا، وتوثبه عليها، ومد باع التكلف إليها، وتسلقه بالجهل والجرأة عليها، مع قلة الخبرة وسوء السيرة وشؤم السريرة، وهو من بين أهل العلم منكر أو غريب، فليس له في معرفة الكتاب والسنة وآثار السلف نصيب، ولا يبدي جوابا بإحسان. [2]
وقد أخرج الإمام مسلم رحمه الله في مقدمة صحيحه بسنده عن محمد بن سيرين، قال: إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم. [3] وقيل: لا تأخذ القرآن من مصحفي، ولا تأخذ العلم من صُحفي. [4]
تتبُّع الرخص:
ذهب عامة العلماء إلى أنه ليس للمفتي تتبع رخص المذاهب، بأن يبحث عن الأسهل من القولين أو الوجهين ويفتي به. ذلك أن الراجح في نظر المفتي هو في ظنه حكم اللّه تعالى، فتركه والأخذ بغيره لمجرد اليسر والسهولة استهانة بالدين، شبيه بالانسلاخ منه، ولأنه شبيه برفع التكليف بالكلية. إذ الأصل أن في التكليف نوعًا من المشقة، فإن أخذ في كل مسألة بالأخف لمجرد كونه أخف، فإنه ما شاء أن يسقط تكليفًا ـ من غير ما فيه إجماع ـ إلا أسقطه. وإن أفتى كل أحد بما يشتهي انخرم قانون السياسة الشرعية، الذي يقوم على العدالة والتسوية، وهذا يؤدي إلى الفوضى والمظالم وتضييع الحقوق بين الناس.
قال الإمام أحمد رضي الله عنه: لو أن رجلًا عمل بكل رخصة: يعمل بمذهب أهل الكوفة في النبيذ، وأهل المدينة في السماع (يعني الغناء) ، وأهل مكة في المتعة، لكان فاسقًا. [5]
(1) إعلام الموقعين عن رب العالمين، 4/ 201.
(2) إعلام الموقعين عن رب العالمين، 4/ 190.
(3) صحيح مسلم بشرح النووي، 1/ 119.
(4) أي من لا يتلقى العلم الشرعي عن طريق الشيوخ، وإنما عن طريق الكتب (أي: الصحف) .
(5) العلامة الشيخ محمد السفاريني، لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية، 2/ 466.