الصفحة 12 من 36

أولًا: نظّم الإسلام العلاقة بين الناس تنظيمًا دقيقًا، ولم يتركهم لأهوائهم ونزواتهم تتجاذبهم المصالح والمطامع بعيدًا عن أي قواعد تضبطها، ومن هذه الضوابط منظومة القيم والأخلاق التي حث عليها الإسلام وأمر بها؛ ومنها الأمانة والصدق والتعاون والتيسير، ومن ذلك ما جاء في حديث النبي (عليه الصلاة والسلام) :"أَدِّ الأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ وَلاَ تَخُنْ مَنْ خَانَكَ" [1] ، ففيه حث على الأمانة وعدم رد الخيانة حتى لمن خانك، وتعزيز للاستقرار الاقتصادي وثقة المستهلك بعناصر الإنتاج المختلفة دون تعدٍ أو ظلم.

وأمّا مبدأ التيسير على المقترض فيقول الله (تبارك وتعالى) فيه:"وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ" [2] ، ولو أُعمِلَت هذه الآية على العلاقة بين الدائن والمدين لماعَجِزَ المدينُ عن قضاء دينه ولو بعد حين، ولما تولد عن الدين ديونًا قطّعت الأوصال بين الناس وزادت من حدة الأزمات المالية التي كان من سببها تضخم الديون وجدولتها بسعر فائدة انتفخ من دماء العاجزين عن السداد.

وكذلك حرم الإسلام الغش والكذب والتدليس والمقامرة والاحتكار والظلم وغيرها من الأخلاق التي تؤدي إلى التباغض وكره الناس بعضهم بعضا، ومن ذلك ما رواه البخاري في صحيحه عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنه قال:"إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِى إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِى إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّى يَكُونَ صِدِّيقًا، وَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِى إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِى إِلَى النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ، حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا" [3] ، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رضي الله عنه) أنه قال:"نَهَى رَسُولُ اللَّهِ (عليه الصلاة والسلام) عَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ وَعَنْ بَيْعِ الْغَرَر"ِ [4] ، وهذا توجيه منه (عليه الصلاة والسلام) إلى الابتعاد عن الغش

(1) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب: البيوع، باب: ما جاء في أن العارية مؤداة، ج 3، ص 564، حديث رقم:1264، وقال فيه حديث حسن غريب، وسنن أبي داوود، كتاب البيوع، باب فِى الرَّجُلِ يَأْخُذُ حَقَّهُ مِنْ تَحْتِ يَدِهِ، ج 10، ص 382، ولأنه لم يكتب فيه شيئ فهو عنده صالح، والحاكم، المستدرك على الصحيحين، ج 5، ص 401، قال فيه صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.

(2) سورة البقرة، آية 280.

(3) الحديث صحيح، رواه البخاري في صحيحه، باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) وَمَا يُنْهَى عَنِ الْكَذِبِ، حديث رقم: 6094، ج 20، ص 247.

(4) والحديث صحيح، رواه الإمام مسلم في صحيحه، باب: بُطْلاَنِ بَيْعِ الْحَصَاةِ وَالْبَيْعِ الَّذِى فِيهِ غَرَرٌ، حديث رقم: 3881، ج 10، ص 72.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت