قرأ الكتب المشهورة، وحفظ كتب ابن المبارك، ووكيع، وغيرهما، وعرف كلامهم، وهو ابن ست عشرة سنة. وحجَّ، وعمره ثماني عشرة سنة، وبقي في مكة، يطلب العلم من أهل العلم هناك، وبدأ بالتأليف والتصنيف، وعمره ثماني عشرة سنةً.
وطاف البلاد الإسلامية آنذاك، حتي أخذ العلم، من أكثر من ألف شيخ، من هنا وهناك، وهكذا كانت حياته مليئةً بتحصيل العلم. ولم يقترب يوما من الأيام، من أحد الملوك والسلاطين، بل على العكس، كان الحكام يطلبون منه، أن يقترب منهم، ويذهب إليهم لكي يعلِّمهم مع أولادهم، ولكن امتنع بقوة ورفضه، على سبيل المثال حينما أرسل أمير بخارى (خالد بن أحمد الذهلي) إليه رسولا، أن يحمل معه كتابيه، الجامع الصحيح، والتاريخ، إلى بيته ويذهب إليهم، كي يحدِّثهم، ويعلِّمهم مع أبنائه، رفضه بقوة، ولم يقبل منه، وقال الإمام لرسوله: قل له: إني لا أُذِّلّ العلم، ولا أحمله إلى أبواب السلاطين، أنتم وسائر أهل البلد عندي سواء، إذا أنتم تطلبون العلم تعالوا أنتم وأبنائكم إلى المسجد، فإن لم يعجبك هذا، ولم ترضوا بما أقول، فإنت سلطان، فامنعني من الجلوس في المسجد للتعليم، والتحديث، ليكون لي عذر، وحجة، عند الله يوم القيامة، في ترك التعليم، والمجالسة للناس، وحتى لا أُحاسَبَ على كتمان العلم، فنفي بسببه من البلد، ولكنّ البخاري لم يسكت عن هذا الظلم، بل دعا الله عليه، واستجاب له دعوته، فلم يمض على الأمير شهر، حتى نودي عليه، بأمر ابن طاهر وحمُل على أتان (أنثى الحمار) ، ثمَّ عزل، وحبس، وجوزي بجنس عمله، أو أشدّ.
وهكذا صار قدوة صالحةً، للعلماء العاملين في مواجهة السلاطين، وهكذا عاش، بعيدا عن أبواب السلاطين، كل البعد، ولم يتأثر بشيء ممّا حوله، إلاّ بالعلم، و تحصيله من ينبوعه الصافي، ولم يُشغل نفسه بشيء يومًا من الأيام إلّا بالعلم والعمل بما يُرضي ربّه، وكان هو بحمد الله متموِّلا، غنيًّا، ترك له أبوه من الأرث، ما يغنيه عمّا في أيدي الناس، حتى كان كثيرًا ما يتصدَّق