الصفحة 59 من 144

وشرح بعض السور والمسائل، بحيث لا توافق مراسم الشرع، وظواهر ما عليه قواعد الملة، وكان الأولى به-والحق أحق أن يقال- ترك ذلك التصنيف، والإعراض عن الشرح له، فإن العوام ربما لا يُحكمون أصول القواعد بالبراهين والحجج، فإذا سمعوا شيئًا من ذلك؛ تخيلوا منه ما هو المضرُّ بعقائدهم، وينسبون ذلك إلى بيان مذهب الأوائل، على أن المنصف اللبيب إذا رجع إلى نفسه؛ علم أن أكثر ما ذكره مما رمز إليه إشارات الشرع، وإن لم يبح به، ويوجد أمثاله في كلام مشايخ الطريقة، مرموزة ومصرحًا بها متفرقة، وليس لفظ منه، إلا وكما تشعر سائر وجوهه، بما يوافق عقائد أهل الملة، فلا يجب حمله إذًا إلا على ما يوافق، ولا ينبغي التعلق به في الرد عليه، إذا أمكن، وكان الأولى به أن يترك الإفصاح بذلك".اهـ وانظر شيئًا من ذلك أيضًا في"النبلاء" (23/ 49) ترجمة ابن عربي الضال، وانظر اعتذاره عن هشام بن عمار -مع إنكار أحمد عليه- في"النبلاء" (11/ 431 - 432) و"الميزان" (4/ 303 - 304) وانظر"النبلاء" (15/ 558) (11/ 516 - 517) وإن كان في بعض هذه المواضع شيء من الكلام والتجاذب مع الذهبي ـ رحمه الله ـ والله تعالى أعلم."

فتأمل اعتذار الذهبي للغزالي -على ما عنده- فما ظنك بأهل السنة الذابين عنها، أليسوا بأولى من الغزالي وابن عربي في الاعتذار عنهم -ما أمكن- بوجه صحيح؟! ثم تأمل إنكار الذهبي لهذه العبارات التي استعملها الغزالي، مع اعتذاره عنه، وتأمل قوله:"على أن المنصف اللبيب ... الخ". مما يدلك على أنه لا يقوم بهذا إلا من عنده الإنصاف والورع، مع الفهم والذكاء، حتى لا تُغلق عليه المخارج الصحيحة، والوجوه الرجيحة الموافقة لقواعد الشريعة، فيبادر باتهام صاحب الكلام، فما أقل هذا الصنف في هذا الزمان، والله أعلم.

3 -وفي"النبلاء" (18/ 510) ترجمة الهروي، قال الذهبي -رحمه الله-:"قلت: قد انتفع به خلق، وجهل آخرون، فإن طائفة من صوفة الفلسفة والإتحاد، يخضعون لكلامه في"منازل السائرين"وينتحلونه، ويزعمون أنه موافقهم، كلا، بل هو رجل"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت