عرفوا من حالهم ما يزيل هذا الإجمال، ويرجح المعنى القبيح فيهم، وقد أفادنا شيخ الإسلام ابن تيمية بفائدة عظيمة، نستصحبها في مثل هذا المقام، حيث قال -كما في مجموع الفتاوى (28/ 213) :"... وكثير من أجوبة الإمام أحمد وغيره من الأئمة، خرج على سؤال سائل، قد علم المسئول حاله، أو خرج خطابًا لمعين، قد عُلم حاله، فيكون بمنْزلة قضايا الأعيان، الصادرة عن الرسول صلى الله عليه وسلم، إنما يثبت حكمها في نظيرها".اهـ
ومما يدلك على ذلك أيضًا: أن الإمام أحمد قد سبق أنه قد أوّل قول شعبة:"إن هذا الحديث يصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة، فهل أنتم منتهون"؟ فحمله على معنى حسن، مع أن هذا ظاهر في الصد عن طلب الحديث، فانظر كيف أوّل أحمد هذه الكلمة بمعنى حسن، مع أنه لما سمع كلمة ابن أبي قتيلة في أصحاب الحديث، وأنهم قوم سوء، فعرف مغزاه، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية، فقال:"زنديق، زنديق، زنديق"،وكذلك لم يؤوِّل لداود الظاهري وقفه في القرآن، مما يدل على تغير الحالين، والله أعلم.
فدعوى الشيخ ربيع، بأن أحمد ومئات الأئمة، ما كانوا يحملون المجمل على المفصل؛ دعوى عارية عن الدليل، بل هي مصادمة لصنيع أحمد وغيره من الأئمة، واستدلاله ببعض المواضع على دعواه؛ استدلال بأمر غايته أنه محتمل -إن لم يكن الدليل عليه، أو بعيدًا عن موضع النِّزاع- وما تطرق إليه الاحتمال؛ سقط به الاستدلال، والله تعالى أعلم.
هـ- الشيخ معروف بالتهاويل، فهاهو يدعي أن أحمد ومئات الأئمة في عصره لم يعذروا من وقف في القرآن، فيقال للشيخ: القول بالوقف خارج عن موضع النِّزاع، لأنه لا إجمال فيه، بل ربما تذرَّع بعضهم بالوقف، وأدخل الناس في التعطيل الصريح، والعلماء يسدون باب الذرائع، لا سيما في هذا الأمر الذي أصيب به الإسلام وأهله، أعني القول بخلق القرآن، لكن هل يستطيع الشيخ أن يثبت أن الرجل الصالح من السلف، كان يطلق القول بأن القرآن كلام الله ,دون