الصفحة 50 من 144

ظلمت غيرك، وحملت كلامه على أسوأ المحامل، والجزاء من جنس العمل، والظلم ظلمات، والله المستعان.

2 -ومما يدل على أن كلام الهروي لم يكن مجملًا، بمعنى احتمال أمرين متغايرين، لا مزية لأحدهما على الآخر، بل كان ظاهره قبيحًا: ما قاله ابن القيم -رحمه الله- في"مدارج السالكين" (1/ 263 - 265) :"وصاحب المنازل ـ رحمه الله -يعني أبا إسماعيل الهروي- كان شديد الإثبات للأسماء والصفات، مضادًا للجهمية من كل وجه، وله كتاب"الفاروق"استوعب فيه أحاديث الصفات وآثارها، ولم يُسبق إلى مثله، وكتاب"ذم الكلام وأهله"طريقته فيه أحسن طريقة، وكتاب لطيف في أصول الدين، يسلك فيه طريقة أهل الإثبات ويقررها، وله مع الجهمية المقامات المشهودة، وسعوا بقتله إلى السلطان مرارًا عديدة، والله يعصمه منهم، ورموه بالتشبيه والتجسيم، على عادة بَهت الجهمية والمعتزلة لأهل السنة والحديث، الذين لم يتحيزوا إلى مقالة غير ما دل عليه الكتاب والسنة، ولكنه -رحمه الله- كانت طريقته في السلوك، مضادة لطريقته في الأسماء والصفات، فإنه لا يقدم على الفناء شيئًا، ويراه الغاية التي يشمّر إليها السالكون، والعَلَم الذي يؤمه السائرون، واستولى عليه ذوق الفناء، وشهود الجمع، وعظُم موقعه عنده، واتسعت إشاراته إليه، وتنوعت به الطرق الموصلة إليه، عِلمًا وحالًا وذوقًا، فتضمن ذلك تعطيلًا من العبودية، باديًا على صفحات كلامه، وِزان تعطيل الجهمية، لما اقتضته أصولهم من نفي الصفات، ولما اجتمع التعطيلان لمن اجتمعا له من السالكين؛ تولد منهما القول بوحدة الوجود، المتضمن لإنكار الصانع وصفاته وعبوديته، وعصم الله أبا إسماعيل باعتصامه بطريقة السلف في إثبات الصفات، فأشرف من عقبة الفناء، على وادي الاتحاد، بأرض الحلول، فلم يسلك فيها، ولوقوفه على عقبته، وإشرافه على تلك الربوع الخراب، ودعوة الخلق إلى الوقوف على تلك العقبة؛ أقسمت الاتحادية بالله جهد أيمانهم، إنه لمعهم ومنهم، وحاشاه، وتولى شرح كتابه أشدهم في الاتحاد"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت