ثم هو بعد ذلك مباشرة يسرد وظائف السلطة وهياكل الدولة ـ بمنهج نقدي إصلاحي ـ بما يدل قطعا على قبوله بالأشكال الواقعة والنظم القائمة منها لكن بشرط إقامة العدل ليس إلا. ومعنى هذا عندي أنه لا اعتراض عنده كفقيه على صور توزيع السلطة ونظام الحكم؛ إلا أن يتنزل كل ذلك على مواقع العدل، والإنصاف للرعية. بينما كل ما ذكره ـ أو أغلبه على الأقل ـ من أشكال حكومية، ومظاهر (سلطانية) ؛ منقول عن أمم (دار الحرب) ، ومقترض من الحضارات الأخرى!
فبعد حديثه عن نواب السلطان؛ تحدث عن آداب (الدوادار) . وهذه مركبة من كلمة عربية: (دواة) وأخرى فارسية: (دار) وهو المحافظ أو الممسك بشيء ما، المعتني به، ومعنى هذا المركب: الناطق الرسمي عن السلطان، الذي يبلغ عنه كافة المناشير، ويرفع إليه كافة العرائض! قال ابن السبكي: (فمن حقه الاستئذان على ذي الحاجة وإنهاء ظلامته، وألا يتركه على الأبواب، لا يجد ملجأ إلى الدخول على الملك) (20) .
وهكذا سار الأمر عند ابن السبكي في كتابه المذكور، في استصلاح الوظائف السلطانية، والمهمات الحكومية، من مثل: (الخازندار) وهو فارسي، معناه: متولي الخزينة المالية. و (المهمندار) وهو كذلك فارسي، معناه: المتولي بشأن سفراء الملوك الآخرين عند السلطان. و (الطبردار) ومعناه: حامل السلاح بين يدي الملك لحمايته. وهو في كل ذلك يتحدث عن آداب هذا وذاك وماله وما عليه. دون أن ينقد أصل الوظيفة أو يعترض على المهمة؛ حتى إنه ذكر أسوء وظائف السلطانية في زمانه، وهو (البشمقدار) فقال رحمه الله منتقدا ومؤصلا، لا ناقضا: (وهو من أقبح البدع؛ لأنه موضوع لحمل نعل الأمير! وذلك من الرعونة والحمق. ومن آدابه ألا يضع النعل على البساط، وغيره مما يطؤه الناس، بأرجلهم حفاة، وربما لاقاه وجه مصل، وربما كانت نجاسة في النعل. وبتقدير ألا يكون شيء من ذلك؛ فلا يخفى ما في وضعه على هذا الوجه من الكبر،