من صحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نكيرا. ثم اعتقد كافة علماء الدين تولية العهد مسلكا في إثبات الإمامة في حق المعهود إليه المولى!) (5) .
ويثور الخلاف عند القول بشورى أهل الحل والعقد: متى تصبح البيعة شرعية؟ هل ببيعة الواحد والاثنين؟ أم لابد من إجماعهم وإجماع غيرهم؟ أم تكفي غلبة المبايعين عددا؟
ويجيب الجويني مرة أخرى مبينا ـ أولا ـ أن: (الإجماع ليس شرطا في عقد الإمامة بالإجماع!) (6) . بمعنى أن الأمة أجمعت على أن البيعة تتم للإمام من غير اشتراط للإجماع عليه؛ وذلك لاستحالته في هذا الأمر خاصة! بل قد اختلفوا من جواز بيعة الواحد إلى الاثنين فالأربعة فالأربعين (7) . ثم قال: (فالوجه عندي في ذلك أن يعتبر في البيعة حصول مبلغ من الأتباع والأنصار والأشياع، تحصل بهم شوكة ظاهرة، ومنعة قاهرة، بحيث لو فرض ثوران خلاف لما غلب على الظن أن يصطلم أتباع الإمام! فإذا تأكدت البيعة وتأطدت بالشوكة والعَدد والعُدد( ... ) فإذ ذاك تثبت الإمامة) (8) . وهذا هو منطق (الأغلبية) بالمعنى (الديموقراطي) الحديث تقريبا.
وهكذا صار الفقه السياسي الإسلامي يقوم على تأصيل الأحكام بناء على عمومات الكتاب والسنة، ومجملاتهما، وبناء على النوازل السياسية التي كان للخلفاء الراشدين فيها اجتهاد. حتى إن ولاية العهد تطورت من إطلاقها الذي تركها عليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى ولاية (أسرية) مع بني أمية فبني العباس! ولم يثر ضد ذلك أحد من العلماء، ولا أثر عن أحد من أئمة المذاهب إنكاره! بل كان هناك شبه (إجماع سكوتي) ـ على حد تعبير الأصوليين ـ على جواز ذلك، بل كان تصريح وتبشير بفقه جديد، بدأ يظهر في الأمة؛ مراعاة (لما جرت عليه العادة) . والعادة محكمة، كما تقول القاعدة. فصار هذا الفقه السياسي الجديد يترجم له بتراجم منها: قولهم