فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 210

تعالى، وهجرته هجرانا غريبا، وهي التي انطلقت منه أول ما انطلقت. ثم صارت إلى تقديس مقولات فكرية اجتهادية، كان لها دورها الفقهي في زمانها ومكانها، فتغير الزمان وربما حتى المكان، ولكن كثيرا من الإسلاميين لم يغيروا تلك المقولات؛ فأصبحت بين أيديهم أوثانا تعبد من دون الله! حلت نصوصها محل القرآن، وحلت شروحها محل السنة!

إن الاختيار الإسلامي القاصر على الشأن السياسي ممارسةً ـ وأقول: (القاصر) بمعنى حصر العمل الإسلامي في الشأن السياسي ـ يسلب الإنسان التفكير الكلي، سواء في ذلك الاختيار السياسي الصدامي، أو الاختيار السياسي المشارك. فهما عندي في هذا السياق وجهان لعملة واحدة. فكلاهما يفقد طبيعته الدعوية الكلية، وإن ادعى عكس ذلك في أدبياته الحركية؛ وذلك بسبب الطبيعة اليومية المتسارعة للحدث السياسي من جهة، وبسبب انقلاب الموازين التصورية لدى العاملين من جهة أخرى. وهذا أخطر! ذلك أن علاقة السياسي بالديني في الإسلام ـ كما سترى بدليله بحول الله ـ هي علاقة الجزئي بالكلي؛ وإذن فإن تدبير الكلي الديني من خلال الجزئي السياسي هو قلب للميزان. وتشويه للعمل الدعوي، بل تحريف له وتضليل!

ولذلك فإن الحركة تبعد يوما بعد يوم عن المنطلقات؛ ويحصل الانزلاق إلى التصورات الوهمية والممارسات الوهمية .. ويكون الانحراف! إنني أطالب بالعودة إلى النص الرسالي للإسلام مرة أخرى، عودة وجدانية تعبدية عميقة، لكنها ـ طبعا ـ عودة تدبرية، واعية فقيهة، لا حرفية ظاهرية ذات منهج تجزيئي، لا تدرك من قواعد العلم إلا أشباحها وأشكالها، تلهج بالنصوص الجزئية دون الأخذ بالمقاصد الكلية، ودون الاعتصام بقواعد الاستدلال في الحجاج والإثبات. إن لدينا ههنا مأساة تتأرجح بين إفراط وتفريط؛ فيدخل بذلك كثير من العاملين للإسلام في جدل عقيم، وتبقى (الرسالة القرآنية) بلا حَمَلَة!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت