رفيعة جدا في مثل هذا السياق. يقول رحمه الله: (قد فرض العلماء مسائل، مما لا يجوز الفتيا بها، وإن كانت صحيحة في نظر الفقه!( ... ) وضابطه أنك تعرض مسألتك على الشريعة، فإن صحت في ميزانها؛ فانظر في مآلها بالنسبة إلى حال الزمان وأهله! فإن لم يؤد ذكرها إلى مفسدة؛ فاعرضها في ذهنك على العقول، فإن قبلتها فلك أن تتكلم فيها، إما على العموم إن كانت مما تقبلها العقول على العموم، وإما على الخصوص إن كانت غير لائقة بالعموم. وإن لم يكن لمسألتك هذا المساغ؛ فالسكوت عنها هو الجاري على وفق المصلحة الشرعية والعقلية!) (62)
ومن ههنا فنحن نفرق بين (البرنامج السياسي) و (أصول الفقه السياسي) . فالأول فقه جزئي تطبيقي، والثاني كليات وقواعد. بمعنى أن (البرنامج السياسي) ما هو إلا عنصر جزئي من عناصر (أصول الفقه السياسي) ، كنسبة فقه المواريث مثلا إلى مجموع الفقه، بل إلى كلي أصوله. ولذلك رأينا أن (البرنامج السياسي) - بما هو علم جزئي- ليس هو المفتاح الأساس لبعثة التجديد الإسلامي. وهو ما اصطلح عليه اليوم بـ (المشاركة السياسية) في المجال الحزبي؛ سواء كانت (مساندة) أو (معارضة) . بل هو أمر مقصود بالتبع، وليس بالأصالة في تجديد العمران الديني للمجتمع.
أما الثاني - أعني فقه الكليات السياسية، أو أصول الفقه السياسي - فهو منهج معرفة سنن التحولات، وسنن التوقعات والمآلات، فيما يتعلق بتدبير شؤون المجتمعات، على المستوى المحلي والإقليمي والعالمي. وبهذا كان مصدرا من مصادر فقه الدعوة الإسلامية. ومن ظن أن العالم الإسلامي قطعة معزولة، أو بالأحرى يمكن عزلها عن السياسة الدولية؛ فهو ما يزال يعيش خارج التاريخ!
ـــــــ
هوامش المبحث الثاني من الفصل الثاني: