ولذلك فإني إذ أكتب ما أكتب؛ على استعداد كامل لشطبه ونسخه، والتبرؤ منه؛ إذا ما بصَّرنا ببطلانه من له بصيرة في العلم والعمل. فما فتئت، والحمد لله، مذ فتح الله عقلي على ميدان البحث العلمي؛ لا أنصت إلا إلى الدليل، ولا ألتفت إلا إلى ما قامت عليه الحجة العلمية القاطعة، أو الراجحة. لا يمنعني حق يبدو لي غدا، في بحث جديد أكتبه أو يكتبه غيري؛ أن أنقض أصنام الباطل مما دبجت بنفسي، وصنفت بيدي! لكن؛ متى كان الذي قد بدا من هذا (الجديد) راجحا بدليله الظاهر أو القاطع، لا بوهم تخيله النفس، وتزينه العاطفة، من أن هذا الكلام قد قاله (فلان) وما أدراك ما (فلان) ! لأنا نقول: لقد آمنا ـ مذ آمنا بهذا الدين ـ أن كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون.
ثم إن هذا الكتاب، هو الذي كنا قد وعدنا به قراءنا الأفاضل، في كتاب (الفجور السياسي) . وهو في الحقيقة يمثل امتدادا له، بل يمكنك أن تقول إنه (الجزء الثاني) منه؛ لولا ما طبع هذا الكتاب من توسع وتفصيل، لم يحظ به الكتاب الأول، ولولا ما ينتج عنه ـ لو جعلناه منه ـ من اختلال في التوازن الهندسي، لمفهوم (الأجزاء) في صناعة التأليف.
إن كتاب الفجور السياسي قد أولى الاهتمام لأزمة الواقع الديني في المجتمع، وحاول أن يشخص مكامن الداء، في ملاحظة تراجع التدين لدى الناس، وطغيان مظاهر الفجور، ليس بمعناه الطبيعي، ولكن بمعناه الإيديولوجي خاصة. ثم الاقتراحات الدعوية التي يمكن اعتمادها لعلاج الوضع. وقد وصلنا في التحليل إلى أن العلاج ليس (سياسيا) بالمعنى الضيق للكلمة. وإنما هو (دعوي) بالمعنى الإسلامي الشامل. رغم أن (الفجور) هو في الصميم (إيديولوجيا) كما بيناه هناك. فالخيار المفتاحي للقضية ليس في المسألة السياسية. وإن كانت هي في حد ذاتها وسيلة، بل من الوسائل المهمة. لكنها ليست (مفتاحا) . فالإيديولوجيا لا تواجه إلا بالعقيدة!