فهرس الكتاب

الصفحة 158 من 210

والمصير ... إلخ. كل ذلك وما في معناه إنما هو من مفهوم الخلق! فهو لذلك من أعظم الكليات القرآنية، وأوسعها!

وأما السنة ـ وهي موطن البيان والتفصيل ـ فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يفصل ما أجمله القرآن من أمر الخلق. وقد زخرت كتب السنن بذلك؛ حتى إن الإمام البخاري رحمه الله ترجم في صحيحه لكتاب سماه: (كتاب بدء الخلق) جعل فيه سبعة عشر بابا، لكل باب أحاديثه! ولنقتطف منها حديثا واحدا جامعا مانعا في ذلك. وهو ما رواه البخاري بسنده عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (قام فينا النبي - صلى الله عليه وسلم - مقاما فأخبرنا عن بدء الخلق؛ حتى دخل أهل الجنة منازلهم وأهل النار منازلهم. حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه) (4/ 543)

وإن دل هذا على شيء؛ فإنما يدل على احتفاء الدين بقضية الخلق، كأساس لحق الله السابق على خلقه، من حيث خلَقَهم. وهنا يكمن سر (وجودية) هذا الدين. وإن إحياء هذا المعنى في النفوس لهو أساس معنى تجديد الدين. الذي يقتضي أول ما يقتضي تجديد العهد الإلهي، في الوعي والوجدان الإنسانيين، وإحيائه في النفس والمجتمع.

إن ثمة (سرا) مهما جدا من أسرار التعبد. وسريته ليست في حقيقته العلمية أو المفهومية. بل هو بهذا الاعتبار أمر واضح جدا في القرآن والسنة، وما ينبغي أن يكون في هذا الدين من حيث هو تكاليف لعامة الناس (أسرار) تعبدية! وإنما (السرية) المقصودة هنا هي على المستوى النفسي خاصة. وهذا هو الذي قد يغفل عنه كثير من الناس! وبيان ذلك: أن من أهم أسباب الإقبال على الدين، أو الإدبار عنه ـ إن لم يكن أهمها على الإطلاق ـ (الإحساس بالربوبية) . وأقول (الإحساس) بمعنى (الوجدان) ، وليس (العلم) بها فقط! فالعلم هو الشرط الأول. لكنه يجب أن يتبع بالإحساس. من مثل (وجدان حلاوة الإيمان) المتحدث عنه في الحديث النبوي الشريف، كما في قوله - صلى الله عليه وسلم: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت