والحق أن من لم يحكم بما أنزل الله لا يكفر إلا على فرض أنه يفعل ذلك إنكارا للدين أصلا! فإن فعل ذلك؛ تهاونا، أو خوفا من جهة أخرى أقوى منه؛ فهذا أقصى ما يقال فيه: إنه عاص، لا كافر! وإنما الكافر: المنكِر. فمن أنكر حق الله في التشريع، أو رفض التحاكم إلى شريعته باعتبار أنها غير صالحة لذلك؛ فإنما هذا فعلا يكون متمردا على الله! كما تمرد عليه من قبل إبليس اللعين! وبذلك يكون منكرا لخاصية من خصائص الربوبية. وهو الكفر عينه.
وما عدا هذا وما في معناه، فإنه يصعب إطلاق الكفر على من لم يطبق الشريعة حاكما كان أو محكوما. فقد يتجاوز عنه إذا كان مكرها على ما هو فيه. ولقد قبل الله عز وجل إسلام (النجاشي) وهو على رأس دولة الحبشة النصرانية ملكا! ولما توفي؛ صلى عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الغائب! فقال للصحابة الكرام: (إن أخاكم النجاشي قد مات؛ فقوموا فصلوا عليه!) (34) فلا يكون إذن القول بجاهلية من كان في مثل وضعه، سواء كان حاكما أو محكوما أو موظفا في دوائر الدولة العليا؛ إلا غلوا في الدين؛ سببه عدم التفريق بين ما هو من الأصول وما هو من الفروع. وربما أيضا عدم التحري من تسرب رد الفعل النفسي إزاء الظلم السياسي والاجتماعي الغالب على وضع العالم الإسلامي.
وإن القرآن الكريم قد استعمل مادة (حكم) بعدة معان: منها التشريع، والقضاء، والحكمة، والقدر الإلهي. لكن كلا في سياقه الخاص ولم يخلط بينها. ففي معنى التشريع والقضاء قال عز وجل: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) (النساء:65) ، وقال سبحانه: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) (المائدة:44) . ونحو هذا كثير، وهو الأغلب على استعمال هذا اللفظ في القرآن الكريم. ولا خلاف في أن هذا راجع إلى أصول الدين فعلا.