وسلم، حتى انتهى الى المصلى، فخطب الناس وتضرع الى الله، وجعل الناس يلحون، في طلباتهم الى الله، فما أكثر دعاءه الى الاستغفار، حتى قرب ان ينصرف، رفع يديه مرا، وحول رداءه فجعله الى اليمين، الى اليسار، ثم من اليسار إلى اليمين، ثم مرّ يديه، وجعل يلح في الدعاء، وبكى عمر بكاء طويلا حتى أخضلت لحيته [1] .
وخرج معه العباس بن عبد المطلب [2] ، فخطب وأوجز وصلى ثم ثنى على ركبتيه، وقال: اللهم عجزت عنا انصارنا، وعجزنا حولنا، وقوتنا، وعجزت عنا أنفسنا، ولا حول ولا قوة إلا بك، اللهم فاستقنا واحيي البلاد والعباد، ثم أخذ بيد العباس بن عبد المطلب، عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وان دموع العباس لتنحدر على لحيته، فقال: اللهم نتقرب بعم نبيك صلى الله عليه وسلم، هو وبقية أباءه، فانك تقول وقولك الحق:"وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة، وكان تحته كنز لهما، وكان أبوهما صالحا" [3] فحفظتهما بصلاح أبائهما، فاحفظ اللهم نبيك صلى الله عليه وسلم في عمه، فقد لذنا به اليك، مستشفعين مستغفرين، ثم أقبل على الناس، فقال: استغفروا ربكم انه كان غفارا [4] . وكان العباس قد طال وعمر، وعيناه تذرفان الدمع، ولحيته تجول على صدره، وهو يقول: اللهم انت الراعي فلا تهمل الضالة، ولا تدع الكبر بدار مضيعة، فقد فزع الصغير، ورفق الكبير، وارتفعت الشكوى، وانت أعلم السر وأخفى، اللهم فاغثم بغياثك، قبل ان يقطنوا فيهلكون فانه لا ييأس من روحك الا القوم الكافرون [5] .
فنشأت طيرة من سحاب، فقال الناس: ترون، ثم التأمت ومشت فيها ريح، ثم هدأت، فأمطرت فوالله ما نزحوا، حتى اعتنقوا الجدار، وقلصوا المأزر، فطفق الناس بالعباس عم الرسول صلى الله عليه وسلم هنيئا لك يا ساقي الحرمين، فقال الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب:
بعمي سقي الحجاز وأهله ... عشية يستسقي بشيبته عمر
توجه بالعباس في الجدب راغبا ... إليه فما قام حتى أتى ا لمطر
(1) ابن سعد، الطبقات، ج 3، ص 398.
(2) خليفة بن خياط، التاريخ، ص 76، وأيضا ابن حبان، الثقات، ج 1، ص 192، الذهبي، تاريخ الاسلام، ج 2، ص 65، سير أعلام النبلاء، ج 3، ص 81.
(3) القران الكريم، سورة الكهف، الآية: 62.
(4) ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج 2، ص 557.
(5) المصدر نفسه، ج 2، ص 557.