يكن مجرد عبادة، وإنما كان منهجا للرعية، من ناحية ووسيلة الإحساس بمشكلاتها من ناحية أخرى [1] ، ومبدأه في ذلك قوله تعالى"أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا وأستمتعتم بها" [2] .
وقد تأثر الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في عام الرمادة، حتى تغير لونه، فروى الصحابي الجليل عياض بن خليفة [3] ، قال: رأيت عمر عام الرمادة، وهو اسود اللون، ولقد كان ابيض، فتقول مم ذا؟ فيقول كان رجلا إعرابيًا، وكان يأكل السمن، واللبن، فلما أمحل الناس اصابتهم المجاعة، حرمها حتى يحيوا، فأكل الزيت، فتغير لونه وجاع وأكثر [4] .
وكان أكل عمر عام الرمادة خبز وقد ثرد بالزيت حتى اذا كان يوم نحر فيه جزورًا وهي صغير الإبل فطعم الناس وغرفوا من طيبها فأتى به، فإذا قطعة من سنام وكبد، فقال: اني هذا؟ قالوا: يا أمير المؤمنين، الجزور التي نحرنا اليوم، فقال: بخٍ بخ، بئس الوالي ان أكل طيبها، وأطعمت الناس كراديسها، ارفع هذه الجفنة، هات لنا غير هذا الطعام، قال: فأوتي بخبز وزيت، قال: فجعل يكسر بيده ويثرد ذلك الخبز، ثم قال: ويحك ما يرفأ أهل هذه الجفنة حتى تأتي بها أهل بيت يثمغ [5] . فاني لم أذهب إليهم منذ ثلاثة أيام، واحسبهم مفقرين، ضعها بين ايديهم [6] .
هذا هو الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهذا هو من الحكم في الاسلام، يؤقر الرعية على نفسه، فيأكلون مما يأكل، وهو الذي يحمل من اعباء الحكم والحياة، أضعاف ما يحملونه، ويعاني من ذلك أضعاف ما يعانون، وهو في ذلك لا يضع القيود على نفسه وحدها، بل يسير بها لتقيد أفراد عائلته"أسرته"، فهم في نظر الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ايضا يجب ان يعانوا أكثر مما يعاني الناس [7] . وذات يوم نظر عمر بن الخطاب رضي الله عنه الى بطيخة في يد بعض ولده، فقال: بخ بخ، يا أمير
(1) الظاهر، خالد خليل، عام الرمادة والأزمة الاقتصادية، مجلة المؤرخ العربي، العدد (34) ، ص 182.
(2) القران الكريم، سورة الاحقاف، الآية: 20.
(3) عياض بن خليفة، قال عنه ابن حجر، مقبول من الطبعة الثالثة، اخرج له البخاري، حديث، ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، حققه عبد الوهاب عبد اللطيف، بيروت، 1395 هـ / 1975 م، ج 2، ص 95.
(4) ابن سعد، الطبقات الكبير، ج 3، ص 293.
(5) موضع مال لعمر وقفه بالمدينة، الصلابي، سيرة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ص 211.
(6) ابن سعد، الطبقات الكبير، ج 3، ص 290.
(7) الصلابي، سيرة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ص 211.