الصفحة 138 من 376

بامتعاض فطري من أساليب التفكير التي لا تواكب العصر. فالنزعة التاريخية نجدها متضمنة بالضرورة في موقف دعاة حقوق المرأة المعاصرات اللواتي يرين في تفاني أمهاتهن وجداتهن في خدمة الأسرة والبيت رواسب غريبة من عصر سابق. قد يكون هذا الاذعان طواعية من جانب الأمهات والجدات لمقتضيات حضارة للذكر فيها اليد العليا، موقفا سليما، بالنسبة لزمنهن،، بل ولعله كان من دواعي سعادتهن. غير أن هذا الموقف لم يعد مقبولا اليوم، وإنما هو شكل من أشكال، الوعي الزائف .. كذلك فإن النزعة التاريخية يتضمنها موقف الزنجي الذي ينكر قدرة الأبيض على فهم معنى أن يكون المرء أسود اللون. فبالرغم من أنه ليس ثمة بالضرورة فاصل من صنع التاريخ يفصل بين وعى السود ووعي البيض، فالمعتقد أن البيض والسود تفصل بينهم طبيعة الحضارة والخبرات التي نشأ كل فريق منهم في ظلها، والتي لا تسمح بالتفاهم بينهم إلا في أضيق الحدود.

وتتضح ثورية نظرة هيجل إلى التاريخ من مفهومه عن الإنسان. لقد كان كافة الفلاسفة قبل هيجل - مع استثناء واحد هام - يؤمنون بأن ثمة، طبيعة بشرية)، أي مجموعة من الصفات على قدر من الثبات، كالعواطف والرغبات والملكات والفضائل وهلم جرا، تميز الانسان من حيث هو انسان (22) . قد يختلف الناس من شخص إلى شخص، غير أن طبيعة الانسان الجوهرية لا تتغير على مر الزمان، سواء كان فلاحا صينيا أو عضوا في نقابة عمال أوروبية حديثة. وينعكس هذا الرأي الفلسفي في المقولة الشائعة، الطبيعة البشرية لا تتغير، التي تستخدم أكثر ما تستخدم بصدد مثالب الإنسان كالجشع والشهوة والقسوة. أما هيجل، فهو وإن لم ينف أن للإنسان جانبا طبيعيا ناجما عن احتياجاته الجسدية، كالطعام و النوم، فانه يرى أن الإنسان في أكثر صفاته أهمية، غير محدد،، وأنه بالتالي حر في تشكيل طبيعته (23) .

فمن رأي هيجل أن طبيعة الرغبة الانسانية لم تتحدد تتبقى إلى الأبد دون تغيير، وإنما تتغير بتغير الأحقاب والثقافات التاريخية (24) . مثال ذلك أن إنسانا يقطن أمريكا أو فرنسا أو اليابان في زمننا هذا ينفق الجانب الأكبر من طاقاته في طلب السلع (كنوع معين من السيارات أو الأحذية الرياضية أو ملبس من بيوت الأزياء) ، أو في طلب المركز الاجتماعي (حي السكن اللائق أو المدرسة المناسبة أو العمل الخليق به) . ومعظم هذه الاشياء المشتهاة لم تكن موجودة أصلا في الأزمنة القديمة و بالتالي كان يستحيل أشتهاؤها. كذلك فإنه من المحتمل ألا يشتهيها مواطن في دولة فقيرة من دول العالم الثالث، يقضي وقته في البحث عن حاجات أكثر أساسية كالأمن أو الطعام. فالروح الاستهلاكية وعلم التسويق الذي يخدمها إنما يخسان رغبات هي من، خلق و الانسان نفسه، و التي ستفسح الطريق لغيرها في المستقبل (29, ورغباتنا الراهنة يكيفها وسطنا الاجتماعي الذي هو نتاج ماضينا التاريخي في مجموعه , و الأشياء المشتهاة هي مجرد مظهر من مظاهر الطبيعة البشرية، التي تغيرته بمرور الوقت، كما يفاء بنت أهمية الرغبة في علاقتها بالعناصر الأخرى في الشخصية الانسانية. ولذا فإن التاريخ العالم عدد محل: يقتصر على بيان تقدم المعارف و المؤسسات، وإنما يبين أيضا تغير طبيعة الإنسان نفساء. ومن ثم فإن طبيعة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت