الإنسان ألا تكون له طبيعة ثابتة. لا الكينونة إذن وإنما هي الصيرورة: أن تصير شيئا غير ما كانت عليه في الماضي.
ويختلف هيجل عن فونتيئيل، وعن أكثر أصحاب النزعات التاريخية تطرفا ممن خلفوه في أنه لم يكن يؤمن بأن المسار التاريخي مستمر إلى ما لا نهاية، وإنما كان يؤمن بأن للمسار نهاية تتمثل في تحقق المجتمعات الحرة في عالم الواقع. وبعبارة أخرى ستكون ثمة نهاية التاريخ. ولا يعني هذا توقف الأحداث الناجمة عن الولادة والموت والتفاعلات الاجتماعية بين البشر، كما لا يعني أن معارفنا عن العالم ستتوقف عن النمو. وقد عرف هيجل التاريخ بأنه تقدم الانسان صوب مستويات أرقي من العقلانية والحرية. ولهذا المسار نقطة نهائية منطقية هي بلوغ الوعي المطلق بالنفس، وهذا الوعي بالنفس عنده قائم في نظامه الفلسفي، كما أن الحرية الانسانية مجسدة في الدولة الليبرالية الحديثة التي ظهرت في أوروبا في أعقاب الثورة الفرنسية، وفي أمريكا الشمالية في أعقاب الثورة الأمريكية. وحين أعلن هيجل أن التاريخ قد انتهى في أعقاب موقعة بينا عام 1809، لم يكن يدعي أن الدولة الليبرالية قد تحقق لها النصر في جميع أنحاء العالم. فانتصارها لم يكن مؤكدا حتى في ركنه الصغير في ألمانيا في ذلك الوقت. أما ما كان يعنيه فهو أن مباديء الحرية والمساواة التي تقوم على أساسها الدولة الليبرالية الحديثة قد اكتشفت وطبقت في الدول الأكثر تقدما، وأنه ليس ثمة مباديء أو أشكال بديلة من مباديء التنظيم الاجتماعي والسياسي تسمو على الليبرالية. وبعبارة أخرى فإن المجتمعات الليبرالية خالية من. التناقضات و التي تميز الأشكال السابقة من التنظيم الاجتماعي، وستكون بالتالي خاتمة الجدلية التاريخية.
ومنذ اللحظة التي صاغ فيها هيجل مذهبه هذا، لم يكن الناس مستعدين لأن يأخذوا على منحي جدي، زعمه بأن التاريخ قد انتهى بقيام الدولة الليبرالية الحديثة. فقد تعرض هيجل على الفور لهجوم شنه عليه ذلك الكاتب العظيم الآخر من كتاب التاريخ العالمي في القرن التاسع عشر، وهو کارل مارکس. والواقع أن جهلنا بديننا الفكري لهيجل يرجع إلى حد كبير إلى أن تراثه انتقل إلينا عن طريق ماركس الذي استخدم أجزاء كبيرة من مذهب هيجل لخدمة أغراضه هو، لقد قبل ماركس من هيجل فكرة التاريخية الأساسية في شؤون البشر، أي فكرة أن المجتمع الانساني تطور عبر الأزمنة من البناء الاجتماعي البدائي إلى أبنية أكثر تعقيدا وأرقي تطورا. كذلك فقد وافق معه على أن المسار التاريخي هو في أساسه جدلي، أي أن الأشكال السابقة للتنظيم السياسي والاجتماعي حوت، تناقضات، داخلية، أتضحت بمرور الزمن، وأدت إلى سقوطها وحلول أشكال أرقى محلها. كما اتفق ماركس مع هيجل على احتمال انتهاء التاريخ، متنبئا ببزوغ شكل نهائي للمجتمع، خال من التناقضات، يكون في تحقيقه نهاية المسار التاريخي.
أما ما أختلف مارکس مع هيجل بصدده، فهو فقط نمط المجتمع الذي سيظهر عند نهاية التاريخ. فقد أعتقد ماركس أن الدولة الليبرالية فشلت في التغلب على تناقض اساسي، هو الصراع الطبقي، الصراع بين البورجوازية والبروليتاريا. وقد استخدم مارکس تاريخية هيجل ضد هيجل نفسه، قائلا إن الدولة الليبرالية لا تمثل عالمية الحرية، وإنما مجرد انتصار حرية طبقة معينة،