الصفحة 136 من 376

من خلال المناقشة أن كلا من الحجتين مناقضة لذاتها، يظهر موقف ثالث خال من تناقضات الموقفين الأولين. غير أن هذا الموقف الثالث نفسه قد يحوي تناقضات جديدة لم تكن متوقعة، وهو ما يدفع إلى إجراء حوار جديد، والوصول إلى حل آخر، والجدلية عند هيجل لا تحدث على مستوى المناقشات الفلسفية وحدها، وإنما هي قائمة ايضا بين المجتمعات، أو على حد تعبير علماء الاجتماع البوم، بين الأنظمة الاقتصادية الاجتماعية. فبوسع المرء أن يصف التاريخ بأنه حوار بين المجتمعات، يكون فيه الفشل حليف المجتمعات ذات التناقضات الداخلية الخطيرة، فتعقبها مجتمعات أخرى تنجح في التغلب على تلك التناقضات. وهكذا رأي هيجل أن الإمبراطورية الرومانية سقطت في خاتمة المطاف لأنها في الوقت الذي اعترفت فيه بالمساواة القانونية العامة بين جميع الناس، لم تعترف بحقوقهم ولا بكرامتهم الإنسانية. أما هذا الاعتراف فلا نجده إلا في الحضارة المسيحية اليهودية التي أقرت مبدأ المساواة العامة بين البشر على أساس من حرية الإنسان الأخلاقية (20) . غير أن العالم المسيحي بدوره عرف تناقضات أخرى. والمثل الكلاسيكي لهذا هو المدينة في العصور الوسطى التي كانت تحمي داخلها التجار (وهم بذرة النظام الاقتصادي الرأسمالي) ، ثم كشفت فعاليتهم الاقتصادية الكبيرة عن لا عقلانية القيود الأخلاقية المفروضة على الإنتاجية الاقتصادية، وهو ما أدى إلى القضاء على هذه المدينة نفسها التي انجبت هؤلاء التجار.

ويختلف هيجل اختلافا جوهريا عن المؤلفين السابقين للتواريخ العالمية من أمثال فونتينيل وكوندورسيه من حيث مفاهيمه الفلسفية الأعمق بكثير عن أمور مثل الطبيعة، والحرية، والتاريخ، والحق، والعقل. ورغم أن هيجل قد لا يكون أول فيلسوف يكتب عن التاريخ، فهو أول فيلسوف، تاريخي،، أي الفيلسوف الذي يؤمن بجوهر النسبية التاريخية للحقيقة (21) . فهو يرى أن الوعي البشري كله محدود بالظروف الاجتماعية والحضارية الخاصة بالبيئة المحيطة بالانسان، أو بما نسميه نحن و الأزمنة. فتفكير الناس في الماضي. سواء كانوا أناسا عاديين أو فلاسفة و علماء كبارا، ليس صحيحا صحة مطلقة أو صحة موضوعية، وإنما هو صحيح بالنسبة للأفق التاريخي أو الحضاري للفرد في زمنه. وعلى هذا يجب أن ننظر إلى تاريخ البشرية باعتباره تسلسلا لمختلف الحضارات ومستويات الإنجاز المادي، ثم أيضا. وهو الأهم. باعتباره تسلسلا الأشكال مختلفة من الوعي. فالوعى (أي الطريقة التي يفكر بها البشر في مسائل الحق والباطل الأساسية، وأوجه النشاط التي ترضيهم، ومعتقداتهم في الالهة، بل وحتى طبيعة نظرتهم الى العالم) قد تغير تغيرا جوهريا عبر الأزمنة. وحيث إن هذه الأطر كانت متناقضة بعضها مع البعض، فمن المحتم أن تكون الغالبية العظمى منها على خطأ، أي صور من، وعي زائف،، يكشف عن زيفها التاريخ اللاحق. ويرى هيجل أن ديانات العالم الكبرى ليست صحيحة في حد ذاتها، وإنما هي أيديولوجيات نجمت عن حاجات تاريخية معينة للشعب الذي آمن بها. والمسيحية بالاخص هي أيديولوجيا نجمت عن العبودية، وجاء إعلانها عن المساواة بين الجميع ليخدم مصلحة العبيد في نيل حريتهم.

ومن الصعب اليوم إدراك الطبيعة الراديكالية للنزعة التاريخية عند هيجل، حيث إنها باتت جزءا لا يتجزأ من أفقنا الذهني. فنحن نفترض افتراضا بديهيا أن ثمة أبعادا تاريخية للفكر، ونشعر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت