الاستنارة و التي بذرتها كل منها وبقيت حية بعدها، وهي التي أفسحت المجال لبزوغ مستويات أعلى للتطور. وكما في نظرة كانط الى. نزعة الإنسان للاجتماع التي تتسم بطابع غير اجتماعي،، فقد رأى هيجل أن التقدم في التاريخ ينشأ لا عن تقدم مطرد للعقل، وإنما عن التفاعل الأعمى للعواطف التي أدت بالإنسان إلى الصراعات والثورات والحروب، وهو ما أطلق عليه وصفه الشهير، دهاء العقل .. ومسار التاريخ هو مسار دائب من الصراعات، تتصادم فيها الأنظمة الفكرية والأنظمة السياسية وتتفكك نتيجة لتناقضاتها الداخلية، ثم تحل محلها أنظمة أخرى تحمل تناقضات أقل، فتكون بالتالي أرقي من سابقاتها (وهو ما يسمى بالدياليكتيك أو الجدلية) . وقد كان هيجل من أوائل الفلاسفة الأوروبيين الذين اهتموا جادين بالتواريخ القومية للشعوب الأخرى خارج أوروبا، مثل شعبي الهند والصين، وأضافوها إلى مشروعهم الشامل. كذلك يتفق هيجل مع كانط في أن ثمة نقطة نهاية لمسار التاريخ، وهي تحقيق الحرية هنا على الأرض. وإن تاريخ العالم ليس إلا تقدم الوعي بالحرية .. ويمكن فهم مسيرة التاريخ العالمي باعتبارها نموا للمساواة في الحرية الإنسانية، وهو ما لخصه هيجل في قولته: وقد عرفت الأمم الشرقية أن الفرد الواحد حر، وعرف الإغريق والرومان أن البعض فقط حر، وعرفنا نحن أن الجميع أحرار، وأن الإنسان حر بوصفه إنسانا (17) . وتتجسد الحرية الإنسانية عند هيجل في الدولة الدستورية الحديثة، أو ما أسميناه نحن بالديموقراطية الليبرالية، وليس التاريخ العالمي للبشرية إلا نفتح الإنسان تفتحا مطردا على العقلانية الكاملة، وعلى إدراك واع لكيفية تعبير هذه العقلانية عن نفسها في صورة الحكم الذاتي الليبرالي.
وقد اتهم هيجل مرارا بعبادة الدولة وسلطاتها، وبأنه بالتالي عدو لليبرالية والديموقراطية. وليس من شأن كتابنا هذا أن يبحث تفصيلا هذه التهمة (18) . ويكفي أن نقول إن هيجل، على حد تعبيره هو نفسه، هو فيلسوف الحرية الذي رأى أن قمة المسار التاريخي كله في تحقيق الحرية في صورة مؤسسات سياسية واجتماعية ملموسة. لم يكن هيجل إذن نصير الدولة بقدر ما كان مدافعا عن المجتمع المدني، فهو الفيلسوف الذي برر الإبقاء على مجال واسع من النشاطات الاقتصادية والسياسية الخاصة خارج حدود سلطان الدولة. ومن المؤكد أن ماركس فهم فلسفة هيجل على هذا النحو، وهو ما يفسر لنا سبب اتهام مارکس لهيجل بأنه نصير البورجوازية.
وثمة غموض شديد أحاط بالدياليكتيكية (الجدلية) الهيجلية، بدأ بفريدريك انجلز، شريك ماركس، الذي أعتقد أن الجدلية (منهج، يمكن انتحاله من هيجل دون الالتزام بمضمون نظامه الفكري. وقد أكد آخرون أن هيجل رأى في الجدلية وسيلة ميتافيزيقية تسمح للمرء بالاستدلال على كل التاريخ البشري من المبادئ الأولى للمنطق، بصرف النظر عن استقراء الوقائع التجريبية أو معرفة الأحداث التاريخية، غير أنه ليس بالوسع قبول هذه النظرة إلى الجدلية. فقراءة مؤلفات هيجل التاريخية توضح أن المصادفات التاريخية والأحداث الطارئة تلعب في التاريخ دورا كبير ا(19) . والجدلية الهيجلية شبيهة بسلفها الأفلاطوني، أي الحوار السقراطي، الذي هو محادثة بين اثنين حول موضوع هام مثل طبيعة الخير أو معنى العدالة، والحل في تلك المناقشات يقوم على أساس مبدأ التناقض، أي أن النصر يكون حليف الحجة ذات التناقضات الأقل. فإن اتضح