قوية؛ فهم يأملون استخدام الهندسة الاجتماعية خلق مجتمعات عادلة أو منصفة وفقا المبدأ أيديولوجي مجرد، وبداية من الثورة الفرنسية، زلزلت العالم سلسلة من الحركات السياسية البوطوبية (Utopian) التي سعت لصنع جنة على الأرض عن طريق إعادة التنظيم الجذرية لأكثر المؤسسات أساسية في المجتمع، أي من الأسرة، إلى الملكية الخاصة، إلى الدولة، وقد توجت هذه الحركات في القرن العشرين بالثورات الاشتراكية التي اندلعت في كل من روسيا والصين وكويا وكمبوديا وغيرها.
وبحلول نهاية القرن كانت كل واحدة من هذه التجارب قد فشلت تقريبا، وحلت محلها مساع لخلق أو استعادة ديمقراطيات ليبرالية حديثة مثلها، لكنها أقل راديکالية من الناحية السياسية، ويتعلق أحد الأسباب الجوهرية لهذا الالتقاء العالمي حول الديمقراطية الليبرالية بتماسك، لأنه برغم أن السلوك البشري مرن ومتباين، فهو البس كذلك على نحو لانهائي؛ فعند نقطة معينة تقوم الغرائز الطبيعية وأنماط السلوك البشرية المتأصلة بإعادة إثبات ذاتها لتقوض أفضل خطط المهندسين الاجتماعيين. عمد العديد من الأنظمة الاشتراكية إلى إلغاء الملكية الخاصة، وأضعفت الأسرة، وطالبت الناس بأن يتحلوا بالإيثار بالنسبة إلى البشرية عموما، وليس لدائرة ضيقة من الأصدقاء وأفراد الأسرة، ولكن التطور لم يشكل البشر على هذا النحو، فقد قام الأفراد في المجتمعات الاشتراكية مقاومة المؤسسات الجديدة في كل منعطف. وعندما انهارت الاشتراكية بعد سقوط جدار برلين عام 1989، عادت الأنماط القديمة والمألوفة للسلوك الإثبات وجودها في كل مكان.
لا يمكن للمؤسسات السياسية أن تلغي تماما دور الطبع أو التطبع ثم تنجح؛ فقد تحدد تاريخ القرن العشرين بفعل نوعين متناقضين من الأهوال: النظام النازي الذي نادى بأن الأحياء في كل شيء، والشيوعية التي قالت بأنها أقرب ما تكون إلى العدم. وقد ظهرت الديمقراطية الليبرالية كنظام سياسي حيوي وشرعي وحيد للمجتمعات الحديثة، لأنها تتجنب کلا من هذين النقيضين المتطرفين؛ فهي تصوغ السياسة وفقا لنماذج للعدل تشكلت تاريخية دون تدخل مفرط في أنماط السلوك الطبيعية. >