الصفحة 274 من 298

صحح هذا التناقض الخطير، ووضع الأساسي للديمقراطية الأمريكية التي ظهرت لاحقا.

فإذا كانت الحقوق تمنح الأولوية للغايات أو المصالح الإنسانية، وبالتالي تضع بعضها فوق الأخرى كأساس للعدالة، فمن أين أتت إن سبب وجود تضخم مطرد في نطاق الحقوق هو، بالتحديد، أن كل إنسان يريد أن يرفع الأولوية النسبية لصالح معينة فوق غيرها، ومع كل هذا النشاز في حديث الحقوق، كيف يتسنى لنا أن نقرر ما هو حق أصيل وما هو غير ذلك؟

شتق الحقوق من حيث المبدأ من ثلاثة مصادر محتملة: الحقوق الإلهية، والحقوق الطبيعية، وما يمكن للمرء أن يسميه الحقوق الوضعية المعاصرة التي توجد في القانون وفي العرف الاجتماعي، والحقوق، بعبارة أخرى، قد تنبع من الله تعالى، أو من الطبيعة، أو من الإنسان نفسه،

في الوقت الحالي، لا تمثل الحقوق المشتقة من الأديان السماوية الأساس المعترف به للحقوى السياسية في أي ديمقراطية ليبرالية. بدأ جون لوك (John Locke) في كتابه المقالة الثانية عن الحكومة، بالهجوم على روبرت فيلمر (Robert Filmer) و عقيدة الحق الإلهي؛ كان الجوهر الحقيقي لليبرالية الحديثة هو إلغاء دور الدين كأساس صريح للنظام السياسي. وقد بني هذا على الملاحظة العملية التي تقول إن أنظمة الحكم ذات المرتكز الديني ظلت بصورة مستمرة في حروب بعضها مع بعض لعدم وجود إجماع كاف على المبادئ الأولى للدين. كانت الخلفية التي بني عليها هوبز (Hobbes) وصفه لحالة الطبيعة على أنها حرب كل إنسان ضد كل إنسان» هي العنف الطائفي السائد في عصره. ولكن كل هذا، بطبيعة الحال، لا يمنع الأفراد في المجتمعات الليبرالية من الاعتقاد بأن الإنسان كائن خلقه الله، وبالتالي فإن حقوق الإنسان الأساسية تأتي من الله. وتصبح مثل وجهات النظر هذه ذات إشكالية عندما يدافع عنها كحقوق سياسية فحسب، كما في الجدل حول الإجهاض، لأنها تقع عندئذ في المشكلة نفسها التي أدركها لرك: من الصعب للغاية تحقيق إجماع سياسي حول القضايا التي تتضمن الدين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت