الصفحة 37 من 1275

إهتمامه بمشکلات عصرهما ولأمر ما إعتقد أن ثمة شبها بين ما واجهته هذه الفترة وما يواجهه العصر الذي يعيش فيه. فالدراسة في دراسة عن السلام والحرب وعن صناعة السلام والحفاظ عليه في ظروف متشابكة بالغة التعقيد. كما إهتم كيسنجر بهذه الموضوعات لأنها شجعته على أن يتأمل في العلاقة بين السياسة الخارجية والبناء السياسي الداخلي وعن دور الأيديولوجيات في العلاقات الدولية خلال فترة ثورية، وهو حين درس علاقات وسلوك دول مثل النمسا وبريطانيا وروسيا وبروسيا وفرنسا في النصف الأول من القرن التاسع عشر فإن عينيه في الواقع كانتا على ما تقدمه هذه الفترة من نموذج لنظام دولي غير مستقر بعينه على فهم نظام دولي أخر في منتصف القرن العشرين يشمل الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي وبريطانيا وفرنسا والمانيا.

وقد جاءت رسالة كيسنجر عملا فكريا وتاريخيا وثقافيا، عمل يمكن قراءته على عدة مستويات. ورغم أن الرسالة تقدم نفسها منذ اللحظة الأولى على أنها تحليل الدبلوماسية القرن التاسع عشر إلا أنها كانت في معناها الأساسي دراسة مطولة عن

طبيعة رجل الدولة. فقد إهتم كيسنجر بهذا المفهوم إهتماما بالغا واعتبر أن إختيار رجل الدولة إنما هو في قدرته على بيان العلاقة بين القوى وأن يتعامل معها على هذا الأساس، ورجل الدولة ليس بذلك فيلسوفا يكفي الحكم عليه من خلال نوعيه تصوراته ولكن رجل الدولة يجب أن يكون قادرا على تطبيق تصوراته، وإعتقد أن رجل الدولة إنما يشارك دائما الأنبياء في مصيرهم حيث تتنكر لهم مجتمعاتهم في حياتهم ولا يلقون التقدير والإعجاب إلا بعد أجيال قادمة. وقد تصور کيسنجر رجل الدولة كمعلم واجبه أن يعبر الهوة بين تجربة الشعب وبين رؤيته تجاهه، بين تقاليد الأمة ومستقبلها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت