وانطلاقا من هذا يمكن القول أن البحث عن القدرة ليس سوى بداية السياسة ولا يمكن أن يكون غاية بذاته. وإذا لم تكن القوة بجانبها، فإن جميع الأهداف، مهما كانت شريفة بحد ذاتها، توشك أن تسحق من قبل الأنظمة لدى الآخرين.
كنا نعتقد طيلة أكثر من قرن، أن لا حاجة بنا للاهتمام بالمشاكل الاستراتيجية ما دام محيطان يحميان حدودنا. وتخيلنا لقاء ذلك من قدرات كبيرة أخرى، كنا نلزم أنفسنا بها، بفضل سلامة تحركاتنا، وبما أن أهميتنا في العالم كانت مستقلة عن قدرتنا المادية، وكان لدينا الميل إلى ترك عزلتنا، والانخراط في التزامات مفاجئة، كانت غاية جميعها أدبية، حتى أن جهودنا العسكرية كانت معنوية وكانت ترتكز كثيرا على المنطق الرمزي اكثر مما هو على الجغرافية السياسية. وعندما كنا نخوض حروبا، كان علينا بوجه عام كسب الانتصار في وسائلنا أكثر مما يكون سبب الغلبة من جراتنا أو مهارتنا الاستراتيجية.
نحو أواخر أعوام 1990، دخلنا في حالة من الانعزال وتثبيط العزائم بسبب تداعيات الحرب الطويلة الأمد، كان يدعو البعض منا لتفسير مشاكلنا بالتزام مفرط نحو العالم كله، وكانت الانتقادات بادي ذي بدء، مصوبة نحو نزاع فيتنام، لكنها سرعان ما امتدت الى جميع مناهجنا الداخلية والتزاماتنا العسكرية والأوساط وثيقة الاطلاع، التي كانت ركزت التزاماتنا الحكيمة بعد الحرب، اخذت تشجبها بشدة.
وكان هذا يهدد بوضع بلدنا وأقوام حرة أخرى في حالة من الضعف كسياسة أوروبا الثابتة واليابان، أضف إليها مستقبل بلدان أمريكا اللاتينية وافريقيا وأسيا التي هي في طريق التنمية كانت كلها منوطة بموقف الولايات المتحدة. فهل كان يملك هؤلاء القدرة اللازمة للوصول إلى أهدافهم؟ هل كان يمكنها الظهور بمظهر المقتدر على الدفاع عن مصالحها ومصالح أصدقائها؟ وإذا قلصت حرب فيتنام قدرتنا عن الدفاع عن أمن الشعوب الحرة، فإن ملايين الكائنات الحية ستكون في خطر.