غالبا ما يصعب استنباط التأثير من مسببه (علته) بفعل معوقات خارجية يصعب تذليلها، بل قد تصعب معرفة الحقيقة المسبية (الفاعلة) ، وليس ذلك شائعا أو مألوفة في اي من جوانب الحياة الأخرى كالحرب، حيث تندر معرفة الحقائق كلية، اما البواعث والمسببات فهي اكثر غموضا حتى. كما أنها قد تخفى او تستر عمدة من قبل اؤلئك الذين يتولون القيادة، أو قد يحدث ذلك عرضا أو صدفة كأن يغفل التاريخ تسجيلها كلية. لذلك توجب تلازم السرد النقدي والبحث التاريخي عادة. حتى لو كان التباين بين السبب والنتيجة من نوع لا يبرر للناقد اعتبار أن النتائج شيء لابد منه لمسبب (علة) غير معروف فسيخلق ذلك فجوة - نتائج تاريخية لا تفرز دروسا مقيدة. وكلما تطلبه النظرية هو استمرار الاستقصاء بعزم وتصميم حتى الوصول إلى ثغرة كهذه، اذ عندها ستترك الاحكام أو تعلق. ولا تثور المعضلات الخطيرة الا عند التوسع في تفسير الحقائق و تحريفها من أجل تفسير النتائج، مع أن قسر او حشر الحقائق بهدا الشكل ليس سوى أضفاء شيء من الأهمية الزائفة و المراوغة.
وما على تلك المعضلة فان البحث النقدي واجه مشكلة خطيرة أخرى: اذ نادرا ما يكون للنتائج سبب واحد منفرد، وهناك عادة مسببات متداخلة و متزامنة، لذلك فليس كافيا تبع الاحداث الناتجة وصولا الي جذورها، حتى لو تم ذلك بامانة وموضوعية، فسيظل كل مسبب يمكن تحديده في حاجة إلى تقييم دقيق. وسيؤدي ذلك إلى تحليلات وثيقة الطبيعة تلك المسبات، وبهذا يوصلنا البحث النقدي الى النظرية المناسبة
يثير التحري النقدي - أي تفحص الوسائل - سؤالا عن ماهية التأثيرات الخاصة للوسائل المستخدمة، وما اذا كانت تلك التأثيرات تطابق النوايا والتوجيهات التي استخدمت معها.
يقودنا التأثير الخاص للوسائل الى تفحص طبيعتها - وبكلمة أخرى في مجال النظرية مرة اخرى.
لقد رأينا أن من المهم في النقد الوصول إلى الحقيقة التي لا جدال حولها، ويجب أن لا نتوقف عند أي إفتراض عشوائي قد لا يقره أخرون، أو أن لدينا مقترح مختلف وبنفس القوة والصلاحية لنقدمه في مقابل ما لديهم، مثيرين بذلك حججا و جدلا لا نهاية لهما، ودون التوصل الى اية استنتاجات أو استنباط اية دروس مجدية.