الصفحة 9 من 14

والأصل مراعاة إقامة الشعائر أولى من مراعاة الحكام وهؤلاء عكسوا القضية.

وقائع تاريخية في ذلك:

أنه بعد قتل المستعصم رحمه الله وهو آخر خليفة عباسي في بغداد على يد التتار بقي الناس مدة طويلة (ثلاث سنوات) لا خليفة لهم ومع ذلك بقي الناس يقيمون الجهاد والشعائر الظاهرة والحقوق والواجبات الشرعية كما كانوا من قبل ولم يعطلوها بحجة عدم وجود خليفة أو عدم إذنه.

مسألة: أما لو احتج محتج بأن هذا فعل بعض العلماء المتأخرين رحمهم الله؟ قلنا له لم تفهم صورة المسألة التي عملها بعض أهل العلم وهي:

أ ـ أن العمل المباح (لاحظ قيد الإباحة) الذي تعددت صوره وكل صورة مباحة فهذا لا مانع من جمع الناس على أحد الصور لمصلحة الجمع وعدم التفرق كما فعل عثمان في جمع المصحف فإن القراءات كانت كلها مباحة على سبعة أحرف كلها شاف كاف , ومثله تنوع صور الأذان للصلاة وغير ذلك.

ب ـ وكذلك إذا كان الصور متعددة والتعدد تخيير للشخص (لاحظ للقيد أنه تخيير تشهي أو اختيار مصلحة) ثم ظهر تلاعب فللحاكم أن يُعزر بالاقتصار على بعض الصور ما لم يُؤد إلى مفسدة كما فعل عمر رضي الله عنه في جعل الثلاث في الطلاق حيث أمضاه ثلاثا تعزيرا وعقوبة لمن تعجل في أمر له فيه أناة , ولمّا ظهر التحايل ونكاح التحليل في زمن ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله أفتيا بعودة الأمر إلى العتيق الأول (ذكر ذلك الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله في فتاويه 11/ 28)

ج ـ أما ما كان من المسائل الاجتهادية ورأى الحاكم العادل أو الحاكم حسن النية الأخذ بأحد الأقوال وكان ملاحظا في أمره مصلحة المسلمين ما لم يعارض ذلك مفسدة أخرى وقصد مصلحة المسلمين لم يقصد مصلحته الخاصة أو مصلحة بقاء ملكه أو مصلحة إرضاء جهات أخرى معادية للإسلام والمسلمين , فإن هذا أجازه بعض أهل العلم (وهنا احب أن أقف لحظة لتبيين ماذا يُقصد بالمصلحة، وأنقل هنا كلاما جميلا لابن سحمان رحمه الله: في جامع الرسائل والمسائل النجدية 3/ 165 ردا على من فهم فهما خاطئا من كلام بعض الفقهاء أنه يجوز الاستعانة بالمشرك عند الضرورة , وظن هذا المستدل أن الضرورة عائدة لمصلحة الحاكم فقال ابن سحمان ردا على ذلك قال: غلط صاحب الرسالة في معرفة الضرورة فظنها عائدة إلى مصلحة ولي الأمر في رياسته وسلطانه وليس الأمر كما زعم ظنه بل هي من ضرورة الدين وحاجته إلى من يعين عليه وتصلح به مصلحته كما صرح به من قال بالجواز وقد تقدم ما فيه والله أعلم. اهـ(وهذه قاعدة عامة وقيد مهم في فهم ماذا يقصد العلماء إذا قيدوا فعل الحاكم بالمصلحة أو الضرورة أنها مصلحة وضرورة الدين والمسلمين وليس مصلحة ضرورة أهواء الحكام والمحافظة على كراسيهم ودنياهم) فإذا كان الأمر بهذه الطريقة فهذا الذي أجازه بعض أهل العلم وقالوا يسوغ اتباعه من باب مراعاة المصالح , بعد مراجعة العلماء المعتبرين. على أن هذا القول فيه خلاف فلا يُسلّم به بعض أهل العلم ويمنعونه ولا يجيزون حتى هذه المسألة ولهم سلف في ذلك من الصحابة كما سبق ذكره! وعلى كل ليس مسلكهم مسلك هؤلاء المتأخرين فيستغلون هذا القول الذي قيل به من أجل نفع الحكام وتحقيق رغباتهم من خلال هذا القول فيكون منهجا عندهم ويعممونه في كل مسألة، مع أن من قال به جعله من باب الاستثناء و الطارئ لا من باب الأصل والمنهج.!! والعلماء السابقين الذين قالوا بهذا القول أحيانا لم يكونوا يضللون من خالفهم ويتهمونه بالاستعجال والحماس غير المنضبط أو بالخروج أو الفتنة أو يسجن أو يضيق عليه ويطلب منه أن يعتذر أو يتبرأ من الحق الذي قاله أو يتعهد بعدم التكرار فهذا من الظلم والاعتداء وعند الله تجتمع الخصوم {ولا تحسبن الله غافلا عما يفعل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار} علما بأننا لو سلمنا بهذه المسألة فإنه يكون للحاجة لا منهجا مطردا أو مسلكا عاما ويُتخذ عصا وعُكازة في وجه العاملين والمجاهدين والعلماء الربانيين فيُمنعون بذلك ثم يُجعل هو الأصل , والله غالب على أمره ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز القوي. ومعلوم أن الحاجة تقدر بقدرها ولا تُنزل منزلة الدوام. ثم هناك فرق بين المنع العام كمنهج عام وبين المنع الخاص في مسائل خاصة لمصلحة المسلمين هذا كله على فرض التنزل والمجاراة.

وعلى كل فإن القاعدة المجمع عليها أن ما كان فيه اختلاف ما بين مجيز ومانع فهذا الحاكم فيه الكتاب والسنة لا لأحد من العلماء ولا لأحد من الحكام (وقد مضى في رسالة ابن تيمية التي نقلناها ذكر الإجماع فراجعه) قال تعالى {وإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} ولم يقل إلى حاكم أو دولة .. قال ابن القيم أجمع الناس أن الرد إلى الله سبحانه هو الرد إلى كتابه والرد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم هو الرد إليه نفسه وإلى سنته بعد وفاته. قال الشافعي رحمه الله: (أجمع الناس على أن من استبانت له سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس) وكلمة الناس عامة في الحكام وغيرهم! وروى ابن أبي شيبة بسنده عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله قال: لا أرى لأحد مع سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وهذا التوجه الجديد في الآونة الأخيرة مر بمراحل:

فكانت أولا بدعة تقليد الحكام ثم تطورت إلى بدعة تقليد أهواء الحكام ثم هذه تدرجت إلى:

1 ـ لوم من خالف مذهب الحاكم أو الدولة المخالف للشريعة.

2 ـ إلزام الناس به.

3 ـ معاقبة من خالفه.

4 ـ واتهامه بالخروج أو الفتنة أو الشذوذ أو التكفير أو الحماس أو الاستعجال.

والخلاصة:

أن ربط شعائر الدين الظاهرة من الجهاد وفروعه أو الإفتاء وربط الأحكام الفقهية كالقنوت والهجرة وغيرها , وربط الحقوق الشرعية كالنصرة ودفع الظلم والدعم للمسلم وغير ذلك بقول إمام معين أو حاكم معين أو استشارة علماء معينين أو أهل بلد معين أو بالتربية أو التكافؤ مع العدو أو بالتدرج ونحوه فهذا ربط بشيء ما أنزل الله به من سلطان؟ فأين الدليل على ذلك , قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين , بل هو من الأمور المحدثة في الدين وخلاف هدي القرون المفضلة كما سبق توضيحه. فكيف يُعاد التعصب المذموم من جديد بصورة أخرى. وبدلا أن يُعلق بالعلماء عُلق بالحكام والأمراء. وكذا بالعصرانيين والانهزاميين.

فصل

وهذا الفصل يتناول قضية الإذن بشكل خاص فنقول:

المسألة مبنية على أصول ترد إليها وعلى أدلة خاصة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت