الأصل الأول: أن الخطاب للمسلمين لكن أُنيط الحكم بالولاة من أجل العمل لأن إناطته بجميع أفراد الأمة يؤدي إلى الفوضاء فأنيط برؤوسهم وسادتهم للتنفيذ ولضبط الأمور وإقامتها على الوجه الأكمل , لأنه وكيل عن المسلمين , لا أنه حق لهم يصير في أيديهم كالملاك له يتصرفون فيه كما شاؤا بل هو تكليف للتنفيذ وليس تمليكا , فإذا قصروا أو سعوا في إبطال ما أنيط بهم انتقل إلى الأقرب فالأقرب كالعلماء وأهل الحل والعقد وأهل الشوكة ... الخ.
قال ابن تيمية: في الفتاوى كتاب الحدود ج 34/ 175 خاطب الله المؤمنين بالحدود والحقوق خطابا مطلقا كقوله {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} وقوله {الزانية والزاني فاجلدوا} وقوله {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم} وكذلك قوله {ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا} لكن قد علم أن المخاطب بالفعل لا بد أن يكون قادرا عليه والعاجزون لا يجب عليهم وقد علم أن هذا فرض على الكفاية وهو مثل الجهاد بل هو نوع من الجهاد فقوله {كتب عليكم القتال} وقوله {وقاتلوا في سبيل الله} وقوله {إلا تنفروا يعذبكم} ونحو ذلك هو فرض على الكفاية من القادرين , والقدرة هي السلطان فلهذا وجب إقامة الحدود على ذي السلطان ونوابه.
والسنة أن يكون للمسلمين إمام واحد والباقون نوابه فإذا فرض أن الأمة خرجت عن ذلك لمعصية من بعضها وعجز من الباقين أو غير ذلك فكان لها عدة أئمة: لكان يجب على كل إمام أن يقيم الحدود ويستوفي الحقوق ولهذا قال العلماء إن أهل البغي ينفذ من أحكامهم ما ينفذ من أحكام أهل العدل وكذلك لو شاركوا الإمارة وصاروا أحزابا لوجب على كل حزب فعل ذلك في أهل طاعتهم فهذا عند تفرق العلماء وتعددهم وكذلك لو لم يتفرقوا لكن طاعتهم للأمير الكبير ليست طاعة تامة فإن ذلك أيضا إذا أسقط عنه إلزامهم بذلك لم يسقط عنهم القيام بذلك بل عليهم أن يقيموا ذلك وكذلك لو فرض عجز بعض الأمراء عن إقامة الحدود والحقوق أو إضاعته لذلك لكان ذلك الفرض على القادر عليه.
وقول من قال لا يقيم الحدود إلا السلطان ونوابه إذا كانوا قادرين فاعلين بالعدل كما يقول الفقهاء: الأمر إلى الحاكم إنما هو العادل القادر فإذا كان مضيعا لأموال اليتامى أو عاجزا عنها لم يجب تسليمها إليه مع إمكان حفظها بدونه وكذلك الأمير إذا كان مضيعا للحدود أو عاجزا عنها لم يجب تفويضها إليه مع إمكان إقامتها بدونه.
والأصل أن هذه الواجبات تقام على أحسن الوجوه فمتى أمكن إقامتها من أمير لم يحتج إلى اثنين ومتى لم يقم إلا بعدد ومن غير سلطان أقيمت إذا لم يكن في إقامتها فساد يزيد على إضاعتها فإنها من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن كان في ذلك من فساد ولاة الأمر أو الرعية ما يزيد على إضاعتها لم يدفع فساد بأفسد منه والله أعلم. اهـ بنصه.
وفي كتاب التاج والإكليل (في فقه المالكية 2/ 381) قال ابن الماجشون إذا كان الناس مع إمام يضيع أمر الهلال فلا يدع ذلك من أنفسهم فمن ثبت عنده برؤية من يثق بصدقه صام عليه وأفطر وحمل عليه من يقتدي به اهـ.
الأصل الثاني: مبني على قاعدة أهل الولايات المنوط بهم الولايات أن عملهم مبني على الوكالة وليس على التملك وتصرفهم فيها تصرف الوكيل المراعي للمصلحة وليس تصرف المالك حسب رغبته.
والولايات مثل الإمام وما دونه من الأمير ونحوه والقاضي والولي في النكاح كالأب وغيره من العصبات وكالناظر في الوقف وكالوصي في الوصية وولاية الملتقط في اللقطة وولاية الأم في مدة الحضانة والإمام في الصلاة والوكيل في البيع والشراء ونحو ذلك. فالقاعدة في هؤلاء:
أ- إنهم يتصرفون حسب المصلحة والأحظ للعمل المنوط بهم.
ب- أن من فسد منهم في عمله لا يقر عليه بل ينتقل إلى من بعده إن كان فيه تسلسل وترتيب وإلا انتقل إلى بديل شرعي مناسب.
ج- أنهم ليسوا ملاكا لما ولوا عليه يتصرفون فيه تصرف الملاك أو هو ملازم لهم لا ينفك عنهم ملازمة الأعضاء للإنسان.
د- أن تصرفهم في مصلحة العمل المنوط بهم أما إذا عاد تصرفهم على العمل المنوط بالإفساد والإبطال لم يُقروا عليه.
وفروع هذا القاعدة كثيرة وهي كالتالي:
1.قياس الإمامة الكبرى على الإمامة الصغرى وهي إمامة الصلاة فإن إمام الصلاة إذا تأخر عن الوقت المعتاد أو شق على الناس جاز لهم أن يقيموا غيره وسقط حقه في الإذن وحل محله الأهل للإمامة في الصلاة , خصوصا إذا تأخر تأخرا يؤدي إلى مقاربة خروج الوقت فإنه يعود على العبادة بالإبطال فلا يُقر على عمله فضلا أن يوجب أخذ إذنه , فقد جاء في الصحيح أن عبد الرحمن بن عوف صلى بالناس في غزوة لما تأخر الرسول صلى الله عليه وسلم وقد صوّب الرسول فعله وأثنى عليه.
2 ـ وكذا الصيام وفي كتاب التاج والإكليل (في فقه المالكية 2/ 381) قال ابن الماجشون إذا كان الناس مع إمام يضيع أمر الهلال فلا يدعوا ذلك من أنفسهم فمن ثبت عنده برؤية من يثق بصدقه صام عليه وأفطر وحمل عليه من يقتدي به اهـ.
3.أن ولي المرأة إذا تقدم لها الكفء ثم تأخر عن تزويجها بدون عذر شرعي فإنه يسمى عاضلا وتسقط ولايته بذلك قال تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن} وتنتقل إلى من بعده من العصبات خصوصا إذا تأخر تأخرا يؤدي إلى عزوف الخُطّاب وهجرهم للمرأة , قال ابن تيمية في الاختيارات ص205ـ وتزويج الأيامى فرض كفاية إجماعا فإن أباه حاكم إلا بظلم , كطلبه جعلا لا يستحقه صار وجوده كعدمه. اهـ
4 ـ الوصي إذا تأخر في نفع ما أنيط به مما يؤدي إلى تعطيل ذلك تُنزع منه الوكالة والوصاية، وكذا ناظر الوقف كالوصية.
5 ـ والأم لها حق الحضانة بعد الطلاق وفق الشروط المعروفة فإن كانت مضيّعة للمحضون أو معطلة له ونحوه سقط حقها في ذلك مراعاة لمصلحة المحضون وانتقلت الولاية إلى من بعده.
6 ـ السيد مع عبده فإن العبد ليس له أن ينكح إلا بإذن سيده للحديث المرفوع"أيما عبد تزوج بغير إذن مواليه وأهله فهو عاهر"صححه الترمذي. ولكن لو امتنع السيد أجبر على بيعه أو تزويجه وسقط حقه في الإذن.
وهكذا والشاهد من هذه الأمثلة أن الحاكم أنيط به مسئولية الجهاد وإقامة الشعائر الظاهرة والحقوق والواجبات الشرعية لأنه وكيل عن المسلمين فإذا لم يأذن فيه أو عطله مراعاة لمصلحة حكمه ودنياه أو مراعاة لمصالح فاسدة سقط حقه في الإذن وانتقل الأمر إلى النوع الثاني من أولي الأمر وهم العلماء يفتون فيه ويأذنون في ذلك لأن فعل الحاكم السياسي عاد على الأمور السابقة بالإبطال والنقص فانتقل إلى الحاكم الديني , فهو تماما مثل أهل الولايات السابقة التي ذكرنا , لمّا ضيعوا أو عاد فعلهم على ذات الولاية التي تولاها بالإبطال. ولا يملكون ما تولّوا عليه ملك رقبة لا تتعداهم إلى غيرهم وإن ضيّعوا وأفسدوا فهذا ما تتنزه عنه الشريعة المحكمة ويأباه العقلاء وأهل الفطر