الصفحة 11 من 14

السليمة.

وليس تعليق الجهاد والشعائر الظاهرة بالإمام هو أمر تعبدي حتى يُقال لا يتعداه إلى غيره , بل هو أمر معلوم المعنى له علة معقولة وهي من باب ضبط إقامة هذه الأمور وتسهيل أمرها ومراعاة مصالحها وقطع الفوضاء فيها , فإذا كان تعليق الإذن بهم أدى إلى نقيض ذلك لم يُقر هذا.

الأصل الثالث: إن الجهاد والفتوى وشعائر الدين الظاهرة هذه مطلوب فعلها لذاتها مثل صلاة الجمع والجماعات والعيد والأذان والحج وغيرها وأنيطت بالحكام من باب إقامتها وتنفيذها ولذا مذهب أهل السنة والجماعة إقامتها مع كل إمام برا كان أم فاجرا , لأن عدم إقامتها لفجورهم يؤدي إلى ضياع تلك الشعيرة الظاهرة المقصودة لذاتها فعلا وظهورا. فإذا كان من أنيطت بهم منعوا ذلك وعطلوه أو سوّفوا فيه تسويفا يؤدي إلى إبطالها أو راعوا في ذلك مقاصد فاسدة أو عطلوها لإرضاء جهات معينة , عندئذ لا يُراعَوا في ذلك ويصبح تعليق الأمر بإذنهم مع أنهم يسعون في عدم إقامتها أو إقامتها متى ما خدمت أغراضهم , هذا إعانة على ضياعها {ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} مثل لو قلنا مثلا أن الجمعة أو صلاة الجماعة لا تقام إلا بإذن الإمام أو الحج أو الأذان للصلوات ثم الإمام سوّف في إقامتها وقد وجبت أو منع من إقامتها مراعاة لأهواء معينة له أو لغيره فهل يقول عاقل فضلا عن مسلم أنه لا بد من إذنهم ولا تُفعل حتى يأذنوا , بل يُقال تقام بإذن العلماء أحد طرفي ولاة الأمر , والأصل مراعاة إقامة الشعائر أولى من مراعاة الحكام وهؤلاء عكسوا القضية.

بل إنه من أجل إقامة الشعائر الظاهرة عُفي عن الطواف أو السعي في أماكنها ولو كان فيها أصنام أو شرك أو نجاسة كما قيل في سبب نزول قوله تعالى {إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما} وأذن في إقامة الحج ولو كان بمخالطة المشركين كما حج أبو بكر بالناس وقد حضر الموسم كفار بعد فتح مكة , بل كان المسلمون يحجون ويعتمرون قبل صلح الحديبية كما في قصة ثمامة بن أثال.

أما الأدلة الخاصة:

1 ـ من الأدلة قوله تعالى {فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك} . ومثل قول ابن حزم يقاتل ولو وحده) قال القرطبي في تفسيره ج 5/ 293 فقاتل كأن هذا المعنى لا تدع جهاد العدو والاستنصار عليهم للمستضعفين من المؤمنين ولو وحدك لأنه وعده بالنصر قال الزجاج أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بالجهاد وإن قاتل وحده لأنه قد ضمن له النصرة قال ابن عطية هذا ظاهر اللفظ إلا أنه لم يجئ في خبر قط أن القتال فرض عليه دون الأمة مدة ما فالمعنى والله أعلم أنه خطاب له في اللفظ وهو مثال ما يقال لكل واحد في خاصة نفسه أي أنت يا محمد وكل واحد من أمتك القول له فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك ولهذا ينبغي لكل مؤمن أن يجاهد ولو وحده اهـ. ونقله عنه الشوكاني في فتح القدير مقررا له.

وقال ابن حزم في المحلى كتاب الجهاد المسألة رقم 929: كما يغزي مع الإمام ويغزو المرء أهل الكفر وحده إن قدر اهـ

2 ـ قصة أبي بصير فإنه أقام الجهاد بدون إذن الإمام.

3 ـ قصة سلمة بن الأكوع فإنه دافع وجاهد بدون إذن الإمام وهي في صحيح مسلم: قال سلمة بن الأكوع كانت لقاح رسول الله صلى الله عليه وسلم ترعى بذي قرد قال فلقيني غلام لعبد الرحمن بن عوف فقال أخذت لقاح رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت من أخذها قال غطفان قال فصرخت ثلاث صرخات يا صباحاه قال فأسمعت ما بين لا بتي المدينة ثم اندفعت على وجهي حتى أدركتهم بذي قرد (وهذا الشاهد أنه فعل ذلك بدون إذن الإمام) فجعلت أرميهم بنبلي وكنت راميا وأقول أنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع فأرتجز حتى استنقذت اللقاح منهم واستلبت منهم ثلاثين بردة قال وجاء النبي صلى الله عليه وسلم والناس فقلت يا نبي الله إني قد حميت القوم الماء وهم عطاش فابعث إليهم الساعة فقال يا بن الأكوع ملكت فأسجح ثم رجعنا ويردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم على ناقته حتى دخلنا المدينة.

4 ـ قصة الأشجعي رضى الله عنه، قال الطبري في تفسير قوله {ومن يتق الله يجعل له مخرجا} حدثنا محمد قال ثنا أحمد قال ثنا أسباط عن السدي في قوله {ومن يتق الله يجعل له مخرجا} زعم أن رجلا من أصحاب النبي يقال له عوف الأشجعي كان له ابن وأن المشركين أسروه فكان فيهم فكان أبوه يأتي النبي صلى الله عليه وسلم فيشكوا إليه مكان ابنه وحالته التي هو بها وحاجته، فكان رسول الله يأمره بالصبر ويقول له إن الله سيجعل له مخرجا فلم يلبث بعد ذلك إلا يسيرا إذ انفلت ابنه من أيدي العدو فمر بغنم من أغنام العدو فاستاقها (وهذا هو الشاهد أنه فعل ذلك من دون إذن الإمام) فجاء بها إلى أبيه وجاء معه بغنى قد أصابه من الغنم فنزلت هذه الآية {ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب} ثم ذكر الرواية من طريقين آخرين. اهـ. وساقها أيضا القرطبي في تفسيره 18/ 160 (وقال , قال: أكثر المفسرين فيما ذكره الثعلبي إنها نزلت في عوف بن مالك الأشجعي عن أبي صالح عن ابن عباس ثم ذكر القصة. وذكر القصة أيضا ابن كثير في تفسيره عند آية {ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب} .

5 ـ مثل إقامة الجمعة زمن حصار عثمان رضي الله عنه. قال ابن عبد البر أن عليا رضى الله عنه صلى العيد بالناس وعثمان محصور ... وقال: وقد صلى بالناس في حين حصار عثمان رضى الله عنه جماعة من الفضلاء الجلّة منهم أبو أيوب الأنصاري وطلحة وسهل بن حنيف وأبو أمامة بن سهل وغيرهم رضى الله عنهم وصلى بهم علي بن أبي طالب صلاة العيد وقال يحيى بن آدم صلى بهم رجل بعد رجل ... وذكر عن الخطيب البغدادي في التاريخ بسنده عن ثعلبة بن يزيد الحماني قال لم يزل طلحة يصلي بالناس وعثمان محصور أربعين ليلة حتى إذا كان يوم النحر صلى علي بالناس اهـ الاستذكار 10/ 36،35،32، والتمهيد 10/ 29.

6 ـ فعل خالد بن الوليد في غزوة مؤتة (زاد المعاد 3/ 383) لما قُتل الولاة الثلاثة أخذ الراية ثابت بن أقرم أخو بني عجلان فقال يا معشر المسلمين اصطلحوا على رجل منكم قالوا: أنت , قال ما أنا بفاعل فاصطلح الناس على خالد بن الوليد فلما أخذ الراية دافع القوم وحاش بهم ثم انحاز بالمسلمين وانصرف بالناس. اهـ من أجل المصلحة والضرورة ولم يقل أحد منهم لا بد من إذن ولي الأمر في هذا التنصيب لأن أخذ إذنه غير متيسر ويُفضي إلى الضياع.

7 ـ قال صاحب المغني في كتاب الجهاد: إذا عدم الإمام لم يؤخر الجهاد وإن حصلت غنيمة قسمها أهلها على موجب الشرع. اهـ 10/ 374. وقال البهوتي في كتاب الجهاد في كشاف القناع: فإن عدم الإمام لم يؤخر الجهاد لئلا يستولي العدو على المسلمين وتظهر كلمة الكفر وإن حصلت غنيمة قسموها على موجب الشرع كما يقسمها الإمام على ما يأتي بيانه في باب قسمة الغنيمة. اهـ وفي كتاب التاج والإكليل (في فقه المالكية 2/ 381) قال ابن الماجشون: إذا كان الناس مع إمام يضيع أمر الهلال فلا يدعوا ذلك من أنفسهم فمن ثبت عنده برؤية من يثق بصدقه صام عليه وأفطر وحمل عليه من يقتدي به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت