تنبيه: انتهى مقصودنا من البحث، ولكن تتميما للفائدة فإننا ننقل رسالتين لابن تيمية مناسبة لبحثنا هذا جعلناه بمثابة مسك الختام:
فصل
الرسالة الأولى:
لما رد (في الفتاوى 27/ 214) على سؤال حكم من سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين، وأفتى بالمنع كما هو الإجماع وساق كلام أهل العلم، ووافقه على ذلك علماء عصره. لكن عارضه في ذلك أربعة من القضاة، ذُكرت أسماؤهم في الفتاوى 2/ 289. وأصدروا في حقه بيانا، وأفتوا بحبسه وزجره وأن يُشهر أمره ويمنع من الفتوى!
فرد ابن تيمية رحمه الله على ما عارضوا به فتواه، وبين أن ردهم باطل مخالف للإجماع، ورد عليهم من وجوه كثيرة بلغت (42) وجها: سننقل منها إن شاء الله ما يتعلق بموضوعنا فقط: فمن ذلك
1 ـ قال في الوجه الثامن أن ما تنازع فيه العلماء يجب رده إلى الله والرسول وهؤلاء لم يردوه إلى الله ولا إلى الرسول بل قالوا إنه كلام باطل مردود على قائله بلا حجة من كتاب الله ولا سنة رسوله وهذا باطل بالإجماع.
2 ـ الوجه الثاني عشر أن ما تنازع فيه العلماء ليس لأحد من القضاة أن يفصل النزاع فيه بحكم وإذا لم يكن لأحد من القضاة أن يقول حكمت بأن هذا القول هو الصحيح وأن القول الآخر مردود على قائله بل الحاكم فيما تنازع فيه علماء المسلمين أو أجمعوا عليه قوله في ذلك كقول آحاد العلماء إن كان عالما وإن كان مقلدا كان بمنزلة العامة المقلدين والمنصب والولاية لا يجعل من ليس عالما مجتهدا عالما مجتهدا ولو كان الكلام في العلم والدين بالولاية والمنصب لكان الخليفة والسلطان أحق بالكلام في العلم والدين وبأن يستفتيه الناس ويرجعوا إليه فيما أشكل عليهم في العلم والدين فإذا كان الخليفة والسلطان لا يدعى ذلك لنفسه ولا يلزم الرعية حكمه في ذلك بقول دون قول إلا بكتاب الله وسنة رسوله فمن هو دون السلطان في الولاية أولى بأن لا يتعدى طوره ولا يقيم نفسه في منصب لا يستحق القيام فيه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وهم الخلفاء الراشدون فضلا عمن هو دونهم فإنهم رضى الله عنهم إنما كانوا يلزمون الناس بإتباع كتاب ربهم وسنة نبيهم وكان عمر رضى الله عنه يقول إنما بعثت عمالي أي نوابي إليكم ليعلموكم كتاب ربكم وسنة نبيكم ويقسموا بينكم فيئكم، بل هذه يتكلم فيها من علماء المسلمين من يعلم ما دلت عليه الأدلة الشرعية الكتاب والسنة فكل من كان أعلم بالكتاب والسنة فهو أولى بالكلام فيها من غيره وإن لم يكن حاكما والحاكم ليس له فيها كلام لكونه حاكما بل إن كان عنده علم تكلم فيها كآحاد العلماء فهؤلاء حكموا فيما ليس لهم فيه الحكم بالإجماع وهذا من الحكم الباطل بالإجماع.
3 ـ الوجه الثالث عشر أن الأحكام الكلية التي يشترك فيها المسلمون سواء كانت مجمعا عليها أو متنازعا فيها ليس للقضاة الحكم فيها بل الحاكم العالم كآحاد العلماء يذكر ما عنده من العلم وإنما يحكم القاضي في أمور معينة وأما كون هذا العمل واجبا أو مستحبا أو محرما فهذا من الأحكام الكلية التي ليس لأحد فيها حكم إلا الله ورسوله. وعلماء المسلمين يستدلون على حكم الله ورسوله بأدلة ذلك وهؤلاء حكموا في الأحكام الكلية وحكمهم في ذلك باطل بالإجماع.
4 ـ الوجه الخامس عشر ذكر أن القاضي ليس له حق أن يحكم على علماء المسلمين في الأحكام الكلية التي لا حكم له فيها بالإجماع.
5 ـ الوجه السابع عشر قال في المسائل العلمية إذا تنازع حاكم وغيره من العلماء في تفسير آية أو حديث أو بعض مسائل العلم لم يكن للحاكم أن يحكم عليه بالإجماع فإنهما خصمان فيما تنازعا فيه والحاكم لا يحكم على خصمه بالإجماع.
6 ـ الوجه التاسع عشر أنه لو كان أحدهم عارفا بمذهبه لم يكن له أن يلزم علماء المسلمين بمذهبه ولا يقول يجب عليكم أنكم تفتون بمذهبي وأي مذهب خالف مذهبي كان باطلا من غير استدلال على مذهبه بالكتاب والسنة ولو قال من خالف مذهبي فقوله مردود ويجب منع المفتى به وحبسه لكان مردودا عليه وكان مستحقا العقوبة على ذلك بالإجماع
7 ـ الوجه العشرون من منع عالما من الإفتاء مطلقا وحكم بحبسه لكونه أخطأ في مسائل كان ذلك باطلا بالإجماع فالحكم بالمنع والحبس حكم باطل بالإجماع فكيف إذا كان المفتى قد أجاب بما هو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقول علماء أمته.
8 ـ الوجه الحادي والعشرون أن المفتى لو أفتى في المسائل الشرعية مسائل الأحكام بما هو أحد قولي علماء المسلمين (بصدق وليس هوى وتشهيا وعصرانية وفقه تيسير) واستدل على ذلك بالكتاب والسنة وذكر أن هذا القول هو الذي يدل عليه الكتاب والسنة دون القول الآخر في أي باب كان ذلك من مسائل البيوع والنكاح والطلاق والحج والزيارة وغير ذلك لم يكن لأحد أن يلزمه بالقول الآخر بلا حجة من كتاب أو سنة ولا أن يحكم بلزومه ولا منعه من القول الآخر بالإجماع فكيف إذا منعه منعا عاما وحكم بحبسه فإن هذا من أبطل الأحكام بإجماع المسلمين.
9 ـ الوجه الثامن والعشرون إنهم قالوا يمنع من الفتاوى الغريبة المردودة عند الأئمة الأربعة وغيرهم من أئمة المسلمين والحكم به باطل بالإجماع فإن الأئمة الأربعة متفقون على أنه إنما ينقض حكم الحاكم إذا خالف كتابا أو سنة أو إجماعا أو معنى ذلك (ولم يقل إذا خالف رأى الساسة أو الأمراء فإنه ينقض) فأما ما وافق قول بعض المجتهدين في مسائل الاجتهاد فإنه لا ينقص لأجل مخالفته قول الأربعة وما يجوز أن يحكم به الحاكم يجوز أن يفتى به المفتى بالإجماع بل الفتيا أيسر فإن الحاكم يلزم والمفتى لا يلزم فما سوغ الأئمة الأربعة للحاكم أن يحكم به فهم يسوغون للمفتى أن يفتى به بطريق الأولى والأحرى ومن حكم بمنع الإفتاء بذلك فقد خالف الأئمة الأربعة وسائر أئمة المسلمين فما قالوه هو المخالف للأربعة وسائر أئمة المسلمين فهو باطل بالإجماع.
10 ـ الوجه التاسع والثلاثون أنه لو قدر أن العالم الكثير الفتاوى أفتى في عدة مسائل بخلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة عنه وخلاف ما عليه الخلفاء الراشدون لم يجز منعه من الفتيا مطلقا بل يبين له خطؤه فيما خالف فيه، فما زال في كل عصر من أعصار الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء المسلمين من هو كذلك فابن عباس رضى الله عنهما كان يقول في المتعة والصرف بخلاف السنة الصحيحة وقد أنكر عليه الصحابة ذلك ولم يمنعوه من الفتيا مطلقا بل بينوا له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم المخالفة لقوله فعلي رضي الله عنه روى له عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حرم المتعة وأبو سعيد الخدري رضي الله عنه وغيره رووا له تحريمه لربا الفضل ولم يردوا فتياه لمجرد قولهم وحكمهم ويمنعوه من الفتيا مطلقا ومثل هذا كثير فالمنع العام حكم بغير ما أنزل الله وهو باطل باتفاق المسلمين لو كان ما نازعوه