فيه مخالفا للسنة فكيف إذا كانت معه بل ومعه إجماع علماء المسلمين فيما أنكروه من مسائل الزيارة وهذا مما يبين أن هذا الحكم من أبطل حكم في الإسلام ومن أعظم التغيير لدين الإسلام بإجماع المسلمين.
فصل
الرسالة الثانية:
ذكر في آخر الفتاوى الكبرى المجلد السادس في كتاب الرد على الطوائف الملحدة والزنادقة والجهمية والمعتزلة والرافضة ذكر أنه في سنة ست وعشرين وسبعمائة، اجتمع الملأ عليه من الأمراء والقضاة ومن معهم، وبعد مراسلات له وهو في السجن وبعد سنوات طلبوا منه أن يعتقد أشياء من كلام أهل البدع، وطلبوا منه أيضا أن لا يتعرض لأحاديث الصفات لله تعالى وآياتها عند العوام، ولا يكتب بها إلى البلاد، ولا في الفتاوى المتعلقة بها.
(والشاهد منها لواقعنا المعاصر أنهم يطلبون اليوم عدم التعرض لمسألة الولاء والبراء وعدم نشر ملة إبراهيم عليه الصلاة والسلام التي من أعظمها الولاء والبراء والكفر بالطاغوت والبراءة منه ومن أهله وتكفيرهم وعداوتهم. وعدم التعرض لأعداء الله من الصليبيين واليهود وملل الكفر، وعدم التعرض لمسائل الجهاد والإفتاء والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومقاومة المبتدعة والمنافقين والمرتدين والحكام المبدلين والمعاهدات والنصرة ... الخ وأن لا يتعرض لذلك إلا علماء معينين ويمنع بقية علماء الأمة من نشر ذلك مع عدم قيام هؤلاء العلماء المعينين بالبيان، ومع حاجة الأمة الماسة لذلك البيان، فما أشبه اليوم بالبارحة.
فرد عليهم من وجوه كثيرة واعتبره من حكم الجاهلية ومن الحكم بغير ما أنزل الله وننقل منها ما يخدم موضوعنا فقط.
الوجه الأول وفيه قال: إن من نهى عن الكلام في آيات الصفات و أحاديث الصفات، فأمر بأن لا يفتي بها، ولا يكتب بها، ولا تبلّغ لعموم الأمة، أن هذا من أعظم الإعراض عنها والنبذ لها وراء الظهر. (ومثله اليوم من منع من آيات وأحاديث الولاء والبراء والكفر بالطاغوت و الجهاد وغيره مما ذكرنا) .
الوجه الثاني: إن قول القائل: نطلب منه أن لا يتعرض لأحاديث الصفات وآياتها عند العوام ولا يكتب بها إلى البلاد ولا في الفتاوى المتعلقة بها، يتضمن إبطال أعظم أصول الدين ودعائم التوحيد، فإن من أعظم آيات الصفات آية الكرسي التي هي أعظم آية في القرآن، وكذلك فاتحة الكتاب وقل هو الله أحد وكذلك أول سورة الحديد وكذلك آخر سورة الحشر. كل ذلك من آيات الصفات باتفاق المسلمين، وهذا يقتضي أن ما كان صفة لله من الآيات فإنه يستحب قراءته، ولا خلاف بين المسلمين في استحباب قراءة آيات في الصفات للصلاة الجهرية التي يسمعها العامي وغيره، فهل يأمر من آمن بالله ورسوله بأن يعرض عن هذا كله، وأن لا يبلّغ المؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، هذه الآيات ونحوها من الأحاديث، وأن لا يكتب بكلام الله وكلام رسوله الذي هو آيات الصفات وأحاديثها إلى البلاد ولا يفتي في ذلك.
(واليوم يطلبون عدم التعرض لمسألة الولاء والبراء وعدم نشر ملة إبراهيم عليه الصلاة والسلام التي من أعظمها الولاء والبراء والكفر بالطاغوت والبراءة منه ومن أهله وتكفيرهم وعداوتهم. وعدم التعرض لأعداء الله من الصليبيين واليهود وملل الكفر، وعدم التعرض لمسائل الجهاد والإفتاء والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومقاومة المبتدعة والمنافقين والمرتدين والحكام المبدلين والمعاهدات والنصرة ... الخ وهذا يتضمن إبطال أعظم أصول الدين ودعائم التوحيد، فإن من أعظم ما جاء في القرآن آيات الولاء والبراء والكفر بالطاغوت.
الوجه الرابع: إن كتب الصحاح والسنن والمسانيد هي المشتملة على أحاديث الصفات بل قد بوب فيها أبواب، ثم سرد الأبواب في ذلك. (والشاهد أن الصحاح والسنن والمسانيد المشتملة على آيات وأحاديث الولاء والبراء والكفر بالطاغوت و الجهاد وغيره) .
فهل امتنع الأئمة من قراءة هذه الأحاديث على عامة المؤمنين، أو منعوا من ذلك. أم ما زالت هذه الكتب يحضر قراءتها ألوف مؤلفة من عوام المؤمنين قديمًا وحديثًا، وأيضًا فهذه الأحاديث لما حدث بها الصحابة والتابعون ومن اتبعهم من الخالفين، هل كانوا يخفونها عن عموم المؤمنين ويتكاتمونها ويوصون بكتمانها، أم كانوا يحدثون بها كما كانوا يحدثون بسائر سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن نقل عن بعضهم أنه امتنع من رواية بعضها في بعض الأوقات فهذا كما قد كان هذا يمتنع عن رواية بعض أحاديث في الفقه والأحكام وبعض أحاديث القدر والأسماء والأحكام والوعيد وغير ذلك في بعض الأوقات ليس ذلك عنده مخصوصًا بهذا الباب، وهذا كان يفعله بعضهم ويخالفه فيه غيره، وذلك لأنه قد يرى أن روايتها تضر بعض الناس في بعض الأوقات، ويرى الآخر أن ذلك لا يضر بل ينفع، فكان هذا مما قد يتنازعون فيه في بعض الأوقات، فأما المنع من تبليغ عموم أحاديث الصفات لعموم الأمة، فهذا ما ذهب إليه من يؤمن بالله واليوم الآخر.
وإنما هذا ونحوه رأي الخارجين المارقين من شريعة الإسلام، كالرافضة والجهمية والحرورية ونحوهم وهو عادة أهل الأهواء، ثم الأحاديث التي يتنازع العلماء في روايتها، أو العمل بها ليس لأحد المتنازعين أن يكره الآخر على قوله بغير حجة من الكتاب والسنة باتفاق المسلمين. لأن الله تعالى يقول {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} .
الوجه الخامس: إنه إذا قدر في ذلك نزاع فقد قال الله تعالى {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} فأمر الله الأمة عند التنازع بالرد إليه وإلى رسوله ووصف المعرضين عن ذلك بالنفاق والكفر، فقال تعالى {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا} فوصف سبحانه من دعي إلى الكتاب والسنة، فأعرض عن ذلك، بالنفاق.
الوجه السادس: إن الله تعالى يقول في كتابه {إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم} فمن أمر بكتم ما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله فقد كتم ما أنزل الله من البينات والهدى من بعد ما بينه للناس في الكتاب، وهذا مما ذم الله به علماء اليهود. وهو من صفات الزائغين من المنتسبين إلى العلم من هذه الأمة. وقال النبي صلى الله عليه وسلم"من سئل عن علم يعلمه فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار".
الوجه التاسع: فقد ذكر محمد بن الحسن الإجماع على وجوب الإفتاء في باب الصفات بما في الكتاب والسنة، دون قول المعطلة، فمن قال لا يتعرض لأحاديث الصفات وآياتها عند العوام، ولا يكتب بها إلى البلاد، ولا في الفتاوى المتعلقة، فقد خالف هذا الإجماع (ومثله اليوم من منع من آيات وأحاديث الولاء والبراء والكفر