بالطاغوت و الجهاد وغيره مما ذكرنا فقد خالف هذا الإجماع).
الوجه العاشر: إن قول القائل: لا يتعرض لأحاديث الصفات آياتها عند العوام، ولا يكتب بها إلى البلاد، ولا في الفتاوى المتعلقة بها. إما أن يريد بذلك أنه لا تتلى هذه الآيات وهذه الأحاديث عند عوام المؤمنين فهذا مما يعلم بطلانه بالاضطرار من دين المسلمين، بل هذا القول إن أخذ على إطلاقه، فهو كفر صريح فإن الأمة مجمعة على ما علموه بالاضطرار من تلاوة هذه الآيات في الصلوات فرضها ونفلها، واستماع جميع المؤمنين لذلك، وكذلك تلاوتها وإقرائها واستماعها خارج الصلاة هو من الدين الذي لا نزاع فيه بين المسلمين، وكذلك تبليغ الأحاديث في الجملة هو مما اتفق عليه المسلمون، وهو معلوم بالاضطرار من دين المسلمين. وكذلك قوله: ولا يكتب بها إلى البلاد ولا في الفتاوى المتعلقة بها. إن أراد أنها نفسها لا تكتب ولا يفتى بها، فهذا مما يعلم فساده بالاضطرار من دين الإسلام كما تقدم. (ومثله اليوم من منع من آيات وأحاديث الولاء والبراء والكفر بالطاغوت و الجهاد وغيره مما ذكرنا) .
الوجه الحادي عشر: إن سلف الأمة وأئمتها ما زالوا يتكلمون ويفتون ويحدثون العامة والخاصة بما في الكتاب والسنة من الصفات.
الوجه الرابع عشر: ليس لأحد من الناس أن يلزم الناس ويوجب عليهم إلا ما أوجبه الله ورسوله ولا يحظر عليهم إلا ما حظره الله ورسوله، فمن وجب ما لم يوجبه الله ورسوله، وحرم ما لم يحرمه الله ورسوله، فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله.
ولهذا كان من شعار أهل البدع، أحداث قول أو فعل، وإلزام الناس به وإكراههم عليه، والموالاة عليه والمعاداة على تركه.
فإن العقاب لا يجوز أن يكون إلا على ترك واجب، أو فعل محرم، ولا يجوز إكراه أحد إلا على ذلك، والإيجاب والتحريم ليس إلا لله ولرسوله، فمن عاقب على فعل أو ترك بغير أمر الله وشرع ذلك دينًا، فقد جعل لله ندًا ولرسوله نظيرًا.
ولهذا كان أئمة أهل السنة والجماعة، لا يلزمون الناس بما يقولونه من موارد الاجتهاد، ولا يكرهون أحدًا عليه، ولهذا لما اسشار هارون الرشيد مالك بن أنس في حمل الناس على موطئه، قال له: لا تفعل يا أمير المؤمنين، فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، تفرقوا في الأمصار، فأخذ كل قوم عمن كان عندهم، وإنما جمعت علم أهل بلدي، أو كما قال. وقال مالك أيضًا: إنما أنا بشر أصيب وأخطئ، فاعرضوا قولي على الكتاب والسنة
وقال أبو حنيفة: هذا رأي، فما جاءنا برأي أحسن منه قبلناه، وقال الشافعي: إذا صح الحديث فاضربوا بقولي الحائط. وقال الإمام أحمد: ما ينبغي للفقيه أن يحمل الناس على مذهبه، ولا يشدد عليهم قال: لا تقلد دينك الرجال، فإنهم لن يسلموا من أن يغلطوا.
فإذا كان هذا قولهم في الأصول العلمية وفروع الدين لا يستجيزون إلزام الناس بمذاهبهم مع استدلالهم عليها بالأدلة الشرعية، فكيف بإلزام الناس وإكراههم على أقوال لا توجد في كتاب الله، ولا في حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا تؤثر عن الصحابة والتابعين، ولا عن أحد من أئمة المسلمين.
الوجه الخامس عشر: إن القول الذي قالوه إن لم يكن حقًا يجب اعتقاده لم يجز الإلزام به. وإن كان حقًا يجب اعتقاده، فلا بد من بيان دلالته، فإن العقوبة لا تجوز قبل إقامة الحجة باتفاق المسلمين.
الوجه السادس عشر: إنهم لو بينوا صواب ما ذكروه من القول لم يكن ذلك موجبًا لعقوبة تاركه، فليس كل مسألة فيها نزاع إذا أقام أحد الفريقين الحجة على صواب قوله مما يسوغ له عقوبة مخالفه، بل عامة المسائل التي تنازعت فيها الأمة لا يجوز لأحد الفريقين المتنازعين (بصدق لا هوى وعصرانية وتشهي وتيسير زعموا!) أن يعاقب الآخر على ترك إتباع قوله. فكيف إذا لم يذكروا حجة أصلًا ولم يظهروا صواب قولهم اهـ ملخصا.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.