يشترك فيها جميع المسلمين وقد اشتبهت على كثير من الناس هذا بإجماع المسلمين لا يحكم فيه إلا الله ورسوله عليه الصلاة والسلام.
إلى أن قال: وولي الأمر إن عرف ما جاء به الكتاب والسنة حكم بين الناس به وإن لم يعرفه وأمكنه أن يعلم ما يقول هذا وما يقول هذا حتى يعرف الحق (بصدق لا بشهوانية) حكم به وإن لم يمكنه لا هذا ولا هذا ترك المسلمين على ما هم عليه كل يعبد الله على حسب اجتهاده وليس له أن يلزم أحدا بقبول قول غيره وإن كان حاكما وإذا خرج ولاة الأمور عن هذا فقد حكموا بغير ما أنزل الله، ووقع بأسهم بينهم قال النبي صلى الله عليه وسلم ما حكم قوم بغير ما أنزل الله إلا وقع بأسهم بينهم وهذا من أعظم أسباب تغيير الدول كما قد جرى مثل هذا مرة بعد مرة في زماننا وغير زماننا.
ثم قال: فإن الحاكم إذا كان دينا لكنه حكم بغير علم كان من أهل النار وإن كان عالما لكنه حكم بخلاف الحق الذي يعلمه كان من أهل النار وإذا حكم بلا عدل ولا علم (كالسياسيين والعصرانيين والانهزاميين) كان أولى أن يكون من أهل النار وهذا إذا حكم في قضية معينة لشخص. وأما إذا حكم حكما عاما في دين المسلمين فجعل الحق باطلا والباطل حقا والسنة بدعة والبدعة سنة والمعروف منكرا والمنكر معروفا ونهى عما أمر الله به ورسوله وأمر بما ينهى الله عنه ورسوله فهذا لون آخر يحكم فيه رب العالمين واله المرسلين مالك يوم الدين الذي له الحمد في الأولى وفي الأخرى وله الحكم وإليه ترجعون. والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. اهـ انتهت الرسالة وانتهى المقصود من النقل. الفتاوى 35/ 388.
والآن نعود إلى تكملة موضوعنا فنقول:
الأدلة على مخالفة هذا التيار (الإمامي والعصراني والانهزامي) :
1 ـ قال تعالى {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} . وقال تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله} أي لا تقدموا حاكما ولا غيره. وقال تعالى {إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وألئك هم المفلحون} , وقال تعالى {واتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون} وقال تعالى {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله} ولم يقل بما يرى الحكام والأمراء أو السياسة الدولية؟!
وقال تعالى {إن الحكم إلا لله} وليس للحكومات أو الدول , وقال تعالى {ولا يشرك في حكمه أحدا} وقال تعالى {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهوائهم} ولم يقل احكم بينهم بالنظام أو حسب التعليمات.
2 ـ عموم الآيات والأحاديث الدالة على وجوب الجهاد ونصرة المسلمين ووجوب إظهار الحق والبيان والإفتاء والدعوة والتعليم والأمر والنهي ولم يتقيد ذلك بالحكام وهي كثيرة جدا يطول بنا المقام لو سردناها.
3 ـ أنه مخالف لهدي الصحابة فكانوا يفتون وإن خالف رأي الإمام ومن الأمثلة على ذلك:
أ- قال ابن القيم رحمه الله: وعمر رضي الله عنه لما أفتى بمسائل مثل بيع أمهات الأولاد وألزم بالطلاق الثلاث وتبعه الصحابة خالفه في ذلك ابن مسعود رضي الله عنه في أمهات الأولاد , وخالفه ابن عباس رضي الله عنه في الإلزام بالطلاق الثلاث. اهـ إعلام الموقعين ص230.
ب- قال ابن تيمية: وعمر بن الخطاب قد قال النبي صلى الله عليه وسلم فيه إنه قد كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي أحد فعمر وروى أنه ضرب الحق على لسانه وقلبه وقال لو لم أبعث فيكم لبعث فيكم عمر ومع هذا فما كان يلزم أحدا بقوله ولا يحكم في الأمور العامة بل كان يشاور الصحابة ويراجع فتارة يقول قولا فترد عليه امرأة فيرجع إلى قولها وقال امرأة أصابت ورجل أخطأ. الفتاوى 35/ 384.
ج- قال ابن تيمية أيضا رحمه الله عن عمر رضي الله عنه: ففي مسائل النزاع مثل مسائل الفرائض والطلاق يرى رأيا ويرى علي بن أبي طالب رأيا ويرى عبد الله بن مسعود رأيا ويرى زيد بن ثابت رأيا فلم يلزم أحدا أن يأخذ بقوله بل كل منهم يفتي بقوله وعمر رضي الله عنه إمام الأمة كلها وأعلمهم وأدينهم وأفضلهم فكيف يكون واحد من الحكام خيرا من عمر هذا إذا كان قد حكم في مسألة اجتهاد. الفتاوى 35/ 385.
د- وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه خالف عثمان الحاكم رضي الله عنه في أمر الإفتاء بجواز متعة الحج.
هـ- قال ابن القيم في إعلام الموقعين ص218ـ وقد خالف ابن مسعود رضي الله عنه عمر رضي الله عنه في نحو من مائة مسألة ثم عد ابن القيم منها خمسة.
و- قصة أبي ذر رضي الله عنه في عدم استئذانه في الإفتاء بل كان يرى أن من الواجب عليه الإفتاء ولو بدون إذن الحاكم وقصته مذكورة في سنن الدارمي وعلقها البخاري في صحيحه بصيغة الجزم.
ز- وأبو سعيد الخدري رضي الله عنه ومن معه خالفوا رأي الأمير لما قدّم الخطبة على صلاة العيد حيث خالف السنة رواها مسلم في صحيحه , ولم يُقل هذا رأي الأمير فلا يجوز مخالفته؟!
ح- ونقل ابن القيم في إعلام الموقعين ص219ـ أن ابن عمر كان يدع قول أبيه عمر إذا ظهرت له السنة. اهـ فلاحظ أنه يدع قول الحاكم إذا ظهرت له السنة.
ط- وقال ابن عباس رضي الله عنه: أقول لكم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقولون قال أبو بكر وعمر وهؤلاء يقال لهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقولون قال الأمير الفلاني وقال الحاكم الفلاني وقالت سياسة الدولة؟! قال سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله في التيسير ص483ـ وفيه كان ابن عباس رضي الله عنه يأمر بالمتعة في الحج فاحتج عليه المناظر بنهي أبي بكر وعمر رضي الله عنهما (أي هما أعلم منك) فاحتجوا عليه بمذهب الحاكم فأنكر عليهم ذلك. قال سليمان رحمه الله: فماذا تظنه يقول لمن يعارض سنن الرسول صلى الله عليه وسلم بإمامة وصاحب مذهبه الذي ينتسب إليه؟ ونحن نقول فماذا تظنه يقول لمن يعارض سنن الرسول صلى الله عليه وسلم بمذهب حاكمه أو دولته.
ي- من ذلك موقف الصحابة وعلماء السلف من المسائل الفقهية التي أحدثها بنو أمية وتأولوا فيها لكن لما كانت مخالفة للنصوص أنكرها العلماء وخالفوها ورووا الأحاديث المخالفة لذلك ولم يقولوا هذا مذهب الحاكم ويجب اتباعه، كما أن بني أمية لم يتهموا من خالف في ذلك بأنه من الخوارج أو صاحب فتنة أو متحمس أو عاطفي أو متطرف أو إرهابي أو غير ذلك. بل اعتبر العلماء أن حكام بني أمية هم الذين شذوا.
1 ـ قال ابن عبد البر (إن بني أمية أحدثوا الأذان ــ في العيدين ــ ولم يكن يعرفونه قبل) الاستذكار 10/ 12. قال ابن حزم في المحلى 3/ 140 رقم 322 (إلا شيئا كان