الصفحة 5 من 14

كان الحاكم سيد الأولين والآخرين كما في الصحيحين عن أم سلمة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"إنكم تختصمون إليّ ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض فأقضي له بنحو مما أسمع فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار"فهذا سيد الحكام والأمراء والملوك يقول إذا حكمت لشخص بشيء يعلم أنه لا يستحقه فلا يأخذه وقد أجمع المسلمون على أن حكم الحاكم بالأملاك المرسلة لا ينفذ في الباطن.

ثم قال: وقد فرض الله على ولاة أمر المسلمين اتباع الشرع الذي هو الكتاب والسنة وإذا تنازع بعض المسلمين في شيء من مسائل الدين ولو كان المنازع من آحاد طلبة العلم لم يكن لولاة الأمور أن يلزموه باتباع حكم حاكم، بل عليهم أن يبينوا له الحق كما يبين الحق للجاهل المتعلم فإن تبين له الحق الذي بعث الله به رسوله وظهر وعانده بعد هذا استحق العقاب وأما من يقول إن الذي قلته هو قولي أو قول طائفة من العلماء المسلمين وقد قلته اجتهادا أو تقليدا (لا هوى وفقه تيسير) فهذا باتفاق المسلمين لا تجوز عقوبته ولو كان قد أخطأ خطأ مخالفا للكتاب والسنة ولو عوقب هذا لعوقب جميع المسلمين فإنه ما منهم من أحد إلا وله أقوال اجتهد فيها أو قلد فيها وهو مخطئ فيها فلو عاقب الله المخطئ لعاقب جميع الخلق بل قد قال الله تعالى في القرآن {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا مالا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين} .

وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم"إن الله استجاب هذا الدعاء", وقال النبي صلى الله عليه وسلم"إن الله تجاوز لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"فالمفتي والجندي والعامي إذا تكلموا بالشيء بحسب اجتهادهم اجتهادا أو تقليدا قاصدين لاتباع الرسول بمبلغ علمهم (لاهوى وفقه تيسير وعصرانية، لأن من صادف الحق هوى وشهوانية وعصرانية لا يكن مصيبا وإن وافق الحق، بل مخطئا ضالا، لأنه مثل من فسر القرآن هوى أوعصرانية لا يكن مصيبا وإن وافق الحق) لا يستحقون العقوبة بإجماع المسلمين وإن كانوا قد أخطئوا خطأ مجمعا عليه وإذا قالوا إنا قلنا الحق واحتجوا بالأدلة الشرعية لم يكن لأحد من الحكام أن يلزمهم بمجرد قوله ولا يحكم بأن الذي قاله هو الحق دون قولهم بل يحكم بينه وبينهم الكتاب والسنة، والحق الذي بعث الله به رسوله لا يغطى بل يظهر فإن ظهر رجع الجميع إليه وإن لم يظهر سكت هذا عن هذا وسكت هذا عن هذا كالمسائل التي تقع يتنازع فيها أهل المذاهب لا يقول أحد إنه يجب على صاحب مذهب أن يتبع مذهب غيره لكونه حاكما فإن هذا ينقلب فقد يصير الآخر حاكما فيحكم بأن قوله هو الصواب فهذا لا يمكن أن يكون كل واحد من القولين المتضادين يلزم جميع المسلمين اتباعه. وعلى ولاة الأمر أن يمنعوهم من التظالم فإذا تعد بعضهم على بعض منعوهم العدوان.

ثم ضرب مثلا لذلك: بأن الحكام قد ألزموا بمنع ظلم أهل الذمة وأن يكون اليهودي والنصراني في بلادهم إذا قام بالشروط المشروطة عليهم لا يُلزمه أحد بترك دينه مع العلم بأن دينه يوجب العذاب فكيف يسوغ لولاة الأمور أن يمكنوا طوائف المسلمين من اعتداء بعضهم على بعض وحكم بعضهم على بعض بقوله ومذهبه هذا مما يوجب تغير الدول وانتقاضها فإنه لا صلاح للعباد على مثل هذا. وهذا إذا كان الحكام قد حكموا في مسألة فيها اجتهاد ونزاع معروف فإذا كان القول الذي قد حكموا به لم يقل به أحد من أئمة المسلمين (كما هو مسلك الانهزاميين والعصرانيين في فقه التيسير) ولا هو مذهب أئمتهم الذين ينتسبون إليهم ولا قاله أحد من الصحابة والتابعين ولا فيه آية من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بل قولهم يخالف الكتاب والسنة وإجماع الأئمة فكيف يحل مع هذا أن يلزم علماء المسلمين باتباع هذا القول وينفذ فيه هذا الحكم المخالف للكتاب والسنة والإجماع وأن يقال القول الذي دل عليه الكتاب والسنة وأقوال السلف لا يقال ولا يفتي به بل يعاقب يؤذى من أفتى به ومن تكلم به وغير ويؤذى المسلمون في أنفسهم وأهليهم وأموالهم لكونهم اتبعوا ما علموه من دين الإسلام وإن كان قد خفي على غيرهم وهم يعذرون من خفي عليه ذلك ولا يلزمون باتباعهم ولا يعتدون عليه فكيف يعان من لا يعرف الحق بل يحكم بالجهل والظلم ويلزم من عرف ما عرفه من شريعة الرسول أن يترك ما علمه من شرع الرسول صلى الله عليه وسلم لأجل هذا لا ريب أن هذا أمر عظيم عند الله تعالى وعند ملائكته وأنبيائه وعباده والله لا يغفل عن مثل هذا وليس الحق في هذا لأحد من الخلق فإن الذين اتبعوا ما علموه من شرع الرسول صلى الله عليه وسلم لم يظلموا أحدا في دم ولا مال ولا عرض ولا لأحد عليهم دعوى بل هم قالوا نحن نتبع ما عرفناه من دين الإسلام وما جاء به الكتاب والسنة.

إلى أن قال: بل لو كان مخطأ مع اجتهاده لم يستحق العقوبة بإجماع المسلمين ولا يجب عليه إتباع حكم أحد بإجماع المسلمين وليس للحاكم أن يحكم بأن هذا أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن هذا العمل طاعة أو قربة أو ليس بطاعة أو قربة ولا بأن السفر إلى المساجد والقبور وقبر النبي صلى الله عليه وسلم يشرع أو لا يشرع ليس للحاكم في هذا مدخل إلا كما يدخل فيه غيرهم من المسلمين بل الكلام في هذا لجميع أمة محمد صلى الله عليه وسلم فمن كان عنده علم تكلم بما عنده من العلم وليس لأحد أن يحكم على عالم بإجماع المسلمين بل يبين له أنه قد أخطأ فإن بين له بالأدلة الشرعية التي يجب قبولها أنه قد أخطأ وظهر خطؤه للناس ولم يرجع بل أصر على إظهار ما يخالف الكتاب والسنة والدعاء إلى ذلك وجب أن يمنع من ذلك ويعاقب إن لم يمتنع وأما إذا لم يبين له ذلك بالأدلة الشرعية لم تجز عقوبته باتفاق المسلمين ولا منعه من ذلك القول ولا الحكم عليه بأنه لا يقوله إذا كان يقول أن هذا هو الذي دل عليه الكتاب والسنة كما قاله فلان وفلان من علماء المسلمين فهذا إذا أجتهد فأخطأ لم يحكم عليه إلا بالكتاب والسنة والمنازع له يتكلم بلا علم والحكم الذي حكم به لم يقله أحد من علماء المسلمين فعلماء المسلمين الكبار لو قالوا بمثل قول الحكام لم يكن لهم إلزام الناس بذلك إلا بحجة شرعية لا بمجرد حكمهم.

ثم ضرب مثل آخر في ذلك فقال: وعمر بن الخطاب قد قال النبي صلى الله عليه وسلم فيه إنه قد كان في الأمم قبلكم محدثون فأن يكن في أمتي أحد فعمر وروى أنه ضرب الحق على لسانه وقلبه وقال لو لم أبعث فيكم لبعث فيكم عمر ومع هذا فما كان يلزم أحدا بقوله ولا يحكم في الأمور العامة بل كان يشاور الصحابة ويراجع فتارة يقول قولا فترد عليه امرأة فيرجع إلى قولها وقال امرأة أصابت ورجل أخطأ.

المثال الثاني من فعل عمر قال فيه رحمه الله: ففي مسائل النزاع مثل مسائل الفرائض والطلاق يرى رأيا ويرى علي بن طالب رأيا ويرى عبد الله بن مسعود ويرى زيد بن ثابت رأيا فلم يلزم أحدا أن يأخذ بقوله بل كل منهم يفتي بقوله، وعمر رضي الله عنه إمام الأمة كلها وأعلمهم وأدينهم وأفضلهم فكيف يكون واحد من الحكام خيرا من عمر هذا إذا كان قد حكم في مسألة اجتهاد فكيف إذا كان ما قاله لم يقله أحد من أئمة المسلمين لا الأربعة ولا من قبلهم من الصحابة والتابعين.

مثال آخر: وقال إن الله لم يرض بحكم واحد بين الزوجين إذا خيف الشقاق بينهما فإنه لا يعلم أيهما الظالم وليس بينهما بينة بل أمر بحكمين وأن لا يكونا متهمين قال تعالى وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا - أي الحكمين - يوفق الله بينهما - أي بين الزوجين -) فهنا لما اشتبه الحق لم يجعل الله الحكم لواحد وهو في قضية معينة بين زوجين ولو حكم حاكم واحد بين الزوجين في أمر ظاهر لم ينفذ حكمه باتفاق المسلمين فكيف بأمر الدين والعبادات التي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت