الصفحة 4 من 14

وينشروا في الناس اختياراتهم الفقهية الجديدة الشهوانية التي تخدم منهجهم وإن غلفوها بلافتة أنها قول بعض العلماء. فكلا الفريقين في خطأ مشين وفي ظلال مبين.

والآن نعود إلى ذكر رسالة ابن تيمية رحمه الله فيها:

فصل

فيما جعل الله للحاكم أن يحكم فيه وما لم يجعل لواحد من المخلوقين الحكم فيه بل الحكم فيه على جميع الخلق لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم ليس لأحد من الحكام أن يحكم فيه على غيره ولو كان ذلك الشخص من آحاد العامة.

ثم بين رحمه الله القاعدة في ذلك فقال: وهذا مثل الأمور العامة الكلية التي أمر الله جميع الخلق أن يؤمنوا بها ويعملوا بها وقد بينها في كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بما أجمعت عليه الأمة , أو تنازعت الأمة فيه إذا وقع فيه نزاع بين الحكام وبين آحاد المسلمين من العلماء أو الجند أو العامة أو غيرهم لم يكن للحاكم أن يحكم فيها على من ينازعه ويلزمه بقوله ويمنعه من القول الآخر فضلا عن أن يؤذيه أو يعاقبه.

ثم ذكر رحمه الله أمثلة لهذه الأمور الكلية التي ليس للقاضي (أي الحاكم) أن يلزم الناس بقوله فكيف بالإمام أو الأمير أو غيره؟! وهذه الأمثلة هي:

1.في مس المرأة هل ينقض الوضوء أم لا؟ وفي قوله {أو لامستم النساء} .00 هل المراد به الجماع أو المراد به اللمس.

2.وذلك تنازع المسلمون في الوضوء من خروج الدم بالفصاد والحجامة والجرح والرعاف وفي القيء وفي مس الذكر والوضوء من القهقهة ومما مست النار.

3.وكذلك تنازعوا في كثير من مسائل الفرائض كالجد والمشركة وغيرهما

4.وفي كثير من مسائل الطلاق.

5.وفي كثير من مسائل الإيلاء.

6.وفي كثير من مسائل العبادات في الصلاة والصيام والحج.

7.وفي مسائل زيارات القبور منهم من كرهها مطلقا ومنهم من أباحها ومنهم من استحبها إذا كانت على الوجه المشروع.

8.وتنازعوا في السلام على النبي صلى الله عليه وسلم هل يسلم عليه في المسجد وهو مستقبل القبلة أو مستقبل الحجرة وهل يقف بعد السلام يدعو له أم لا؟.

9.وتنازعوا أي المسجدين أفضل؟ المسجد الحرام أو مسجد النبي صلى الله عليه وسلم.

10.وتنازعوا فيما إذا نذر السفر إلى المسجدين؟

11.وتنازعوا في تفسير بعض الآيات.

12.وتنازعوا في بعض الأحاديث هل تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أو لم تثبت؟.

وهذه الأمثلة ليست للحصر بل للتوضيح , وإنما الضابط فيها كما قال سابقا في أول الرسالة: الأمور العامة الكلية التي أمر الله جميع الخلق أن يؤمنوا بها ويعملوا بها وقد بينها في كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بما أجمعت عليه الأمة , أو تنازعت الأمة فيه. (وتعقيبا على ذلك نقول: ومثلها مسألة الجهاد والشعائر الظاهرة والواجبات والحقوق الشرعية هل هي مرتبطة بإذن الإمام أم لا؟ ثم إذا عطلها أو تلاعب بها هل يلزم إذنه أم لا؟) .

ثم بعد ذكره لهذه الأمثلة عقب بقاعدة فقال: فهذه الأمور الكلية ليس لحاكم من الحكام كائنا من كان ولو كان من الصحابة أن يحكم فيها بقوله على من نازعه في قوله فيقول ألزمته أن لا يفعل ولا يفتي إلا بالقول الذي يوافق لمذهبي، بل الحكم في هذه المسائل لله ورسوله (وتنبه لهذا القيد) والحاكم واحد من المسلمين فإن كان عنده علم تكلم بما عنده وإذا كان عند منازعه علم تكلم به فإن ظهر الحق في ذلك وعرف حكم الله ورسوله وجب على الجميع اتباع حكم الله ورسوله وإن خفي ذلك أقر كل واحد على قوله , أقر قائل هذا القول على مذهبه وقائل هذا القول على مذهبه ولم يكن لأحدهما أن يمنع الآخر إلا بلسان العلم والحجة والبيان فيقول ما عنده من العلم.

وأما باليد والقهر فليس له أن يحكم إلا في (القضية) المعينة التي يتحاكم فيها إليه مثل ميت مات وقد تنازع ورثته في قسم تركته فيقسمها بينهم إذا تحاكموا إليه وإذا حكم هنا بأحد قولي العلماء ألزم الخصم بحكمه ولم يكن له أن يقول أنا لا أرضى حتى يحكم بالقول الآخر وكذا إذا تحاكم إليه اثنان في دعوى يدعيها أحدهما فَصَل بينهما كما أمر الله ورسوله وألزم المحكوم عليه بما حكم به وليس له أن يقول أنت حكمت علي بالقول الذي لا أختاره.

ثم قال رحمه الله: وقد يقول كثير من علماء المسلمين أهل العلم والدين من الصحابة والتابعين وسائر أئمة المسلمين الأربعة وغيرهم أقوالا باجتهادهم فهذا يسوغ القول بها ولا يجب على كل مسلم أن يلتزم إلا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ثم قال: وليس المراد بالشرع اللازم لجميع الخلق حكم الحاكم ولو كان الحاكم أفضل أهل زمانه بل حكم الحاكم العالم العادل يلزم قوما معينين تحاكموا إليه في قضية معينة لا يلزم جميع الخلق ولا يجب على عالم من علماء المسلمين أن يقلد حاكما لا في قليل ولا في كثير إذا كان قد عرف ما أمر الله به ورسوله بل لا يجب على آحاد العامة تقليد الحاكم في شيء بل له أن يستفتي من يجوز له استفتاؤه وإن لم يكن حاكما ومتى ترك العالم ما علمه من كتاب الله وسنة رسوله واتبع حكم الحاكم المخالف لحكم الله ورسوله كان مرتدا كافرا يستحق العقوبة في الدنيا والآخرة قال تعالى {المص كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين , اتبعوا ماأنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون} ولو ضرب وحبس وأوذي بأنواع الأذى ليدع ما علمه من شرع الله ورسوله الذي يجب اتباعه واتبع حكم غيره كان مستحقا لعذاب الله بل عليه أن يصبر وإن أوذي في الله فهذه سنة الله في الأنبياء وأتباعهم ثم ذكر آيات في ذلك.

ثم قال: وهذا إذا كان الحاكم قد حكم في مسألة اجتهادية قد تنازع فيها الصحابة والتابعون فحكم الحاكم بقول بعضهم وعند بعضهم سنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم تخالف ما حكم به فعلى هذا أن يتبع ما علم من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويأمر بذلك ويفتي به ويدعوا إليه ولا يقلد الحاكم هذا كله باتفاق المسلمين.

وإن ترك المسلم عالما كان أو غير عالم ما علم من أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم لقول غيره كان مستحقا للعذاب قال تعالى {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} .

ثم قال: فالشرع الذي يجب على كل مسلم أن يتبعه ويجب على ولاة الأمر نصره والجهاد عليه هو الكتاب والسنة وأما حكم الحاكم فذاك يقال له قضاء القاضي ليس هو الشرع الذي فرض الله على جميع الخلق طاعته بل القاضي العالم العادل يصيب تارة ويخطئ تارة ولو حكم الحاكم لشخص بخلاف الحق في الباطن لم يجز له أخذه ولو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت