وجاءت الخطوة التالية لتعيين القادة العسكريين والرؤساء الإدرايين، وقد اعترض الفرنسيون في بادئ الأمر على شغل أشخاص من ذوي الأصول الجورجية أو الشركسية تلك المناصب، فقد استهدفوا تطهير الصفوة المصرية من العناصر المملوكية. غير أن علماء الأزهر أكدوا لهم حسبما يذكر الجبرني أن سوقة مصر لا يخافون إلا من المماليك ولا يحكمهم سواهم". استجاب الفرنسيون لذلك الرأي وسمحوا بالتعيين من بيوت الأمراء العريقة هؤلاء الذين لم يستبدوا بالحكم مثل غيرهم. (4) وهكذا تولى حسن أغا محرم المعروف بنزاهته منصب المحتسب ليضبط الأسعار ويحافظ على مكارم الأخلاق في الأسواق."
كان أقل ما يوصف به تولي علماء مصريين يتحدثون العربية تعيين الشرك والجيورجيين أنه أمر غير مألوف، غير أن عزوف الفرنسيين عن تعيين كبار التجار بدلا من الشيوخ في الديوان أمر مستغرب، فهؤلاء التجار يتمتعون بالثروة والسمعة الطيبة في العاصمة؛ وأغلب الظن أن بونابرت"رأى أن العقبة الرئيسة القبول سلطة الفرنسيين في مصر تكمن في الإسلام، وأن حكومة مشكلة من العلماء وحدهم هي القادرة على تدعيم حجته القائلة بأن المسيحيين الذين يعتنقون المذهب العقلاني المسيحي هم حکام يرضى بهم المحكومون مثلهم مثل المسلمين. وبالطبع فإن كبار الشيوخ أنفسهم في كثير من الأحيان ينتمون إلى طبقة كبار التجار أو يتصلون بتلك الطبقة من خلال علاقات المصاهرة. ومن سخرية الأقدار على أي حال لن يصل علماء المسلمين إلى السلطة في الشرق الأوسط أربع مرات في التاريخ الحديث: في ظل الحكم الجمهوري الفرنسي في مصر، وحكم الخوميني وخلفائه في إيران، والطالبان في أفغانستان، ويمكننا القول إن المرة الرابعة تحققت بموجب انتصار الائتلاف العراقي الموحد في العراق في انتخابات الثلاثين من"