وبينما كانت القوة الحقيقية للإسلام بالنسبة لأوروبا قد انهارت من جوانب متعددة، فإن التغيير كان خفيا لمدة معينة عن المسيحيين والمسلمين على حد سواء. ولكن بعد الانسحاب من فيينا، وبعد الهزائم العسكرية والسياسية التي تلت هذا الانسحاب، أصبحت العلاقات الجديدة واضحة لكلا الجانبين. وكانت أوربا لا تزال تعاني من مشكلة الأتراك، ولكنها أصبحت الآن مشكلة الشكوك التي نشأت نتيجة لضعف الأتراك، وليس من تهديد قوة الأتراك، ولزمن طويل ظلت الكنائس تعتبر الإسلام الدين الخصم الخطير، ولكنه لم يعد الآن يمثل تهديدا عسكرية، وعلى الجانب التركي نجد علامات يقظة جديدة فالأراضي خلف الحدود لم نعد متسعة للبرابرة الجهلة لكي يستولوا عليها ويصبحوا عدوة خطرة وتهديدا لكل مستقبل الإمبراطورية.
وكان تهديد القوة الغربية واضحا بالفعل مع مشارف القرن السادس عشر. يقول لطفي باشا - وقد كان موظفة كبيرة عند سليمان العظيم: ذات يوم أخبر السلطان سليم الأول (1012 - 1520) ، القائد المنتصر في الشام ومصر: رئيس مستشاريه قائلا:"إن هدفي هو غزو بلاد الفرنجة ورد عليه المستشار قائلا"مولاي إنك تعيش في مدينة أحسن معالمها البحر، وعندما يكون البحر غير آمن أن تأتي السفن، وعندما لا تأتي السفن يذهب رخاء اسطنبول. وأثار لطفي باشا الموضوع مرة ثانية مع سليمان وأخبره أن كثيرا من السلاطين السابقين كانوا يحكمون الأرض، ولكن قليل منهم الذين كانوا يحكمون البحر؛ ففي نطاق الحرب في البحر الكفار يتفرجون علينا. وينبغي أن نتغلب عليهم 33).
ولكن لم يتغلب الأتراك عليهم، وعاد الدرس كرته حيث الهزيمة العثمانية الثقيلة في المعركة البحرية في لبانتو عام 1971. وكانت الضربة قاسية، ولم يحاول العثمانيون إخفاء تلك الضرية، والوثيقة التركية التي تسجل تقريرا عن باي ليرباي Bey lerbey الجزائر تصف النتيجة بتعيير كلاسيكي أنيق كما يلي: واجه الأسطول الإمبراطوري أسطول الكفار البائس، وسلكت إرادة الله مسلكا آخر (25) . ولما كانت المعركة معروفة في التاريخ الأوروبي باسم الميناء البحري اليوناني، الذي نشبت المعركة